أحكام الديات في الشريعة الإسلامية الغرّاء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦١١
على عرض الغير أو متلفاً للمال ـ في جميع الصور، وبكلمة واحدة الدفاع عن المعتدي بأي نحو كان، بالقوّة والسلاح أو بدفع المال، وأين هذا من وجوب الدية على العاقلة في مورد خاصّ ؟
ويؤيّد ما قلناه ما ذكره الشهيد الثاني في الروضة يقول: العاقلة إمّا من العقل وهو الشدّ، ومنه سمّي الحبل عقالاً لأنّها تعقل الإبل بفناء وليّ المقتول المستحق للدية... إلى أن قال: أو من العقل وهو المنع، لأنّ العشيرة كانت تمنع القاتل بالسيف في الجاهلية ثم منعت عنه في الإسلام بالمال.[١]
ويقول في «المسالك»: إنّ القبائل في الجاهلية كانوا يقومون بنصرة من جنى منهم، ويمنعون أولياء القتيل من أن يدركوا بثأرهم ويأخذوا من الجاني حقّهم، فجعل الشرع بدل تلك النصرة، بذل المال حيث لا يكون الجاني متعمّداً آثماً، وربما شُبّه إعانة الأقارب بتحمّل الدية، بإعانة الأجانب الذين غرموا لإصلاح ذات البين بصرف سهم من الزكاة إليهم، وأجّلت على العاقلة نظراً لهم ليتحمّلوا ما تحمّلوا في مدّة الأجل، فلا يشقّ عليهم أداؤه.[٢]
وممّـا يوضـح مغـايرة الحكـم الإسلامـي فـي مـورد العاقلـة عمّـا كان عليـه العـرب فـي الجـاهليـة، ما رواه الكلينـي بسنـد صحيـح عـن مالك بـن عطيّـة، عن سلمـة بن كهيـل ـ والحـديث مفصّـل نأخـذ منـه مـوضع الحـاجـة ـ قـال: أُتـي أميـر المـؤمنين (عليه السلام)بـرجل قـد قتـل رجـلاً خطأ، فقـال لـه أميـر المـؤمنين (عليه السلام): «مَن عشيرتك وقرابتك؟» فقال: مالي بهذا البلد عشيرة ولا قرابة، قال: فقال: «فمن أي البلدان أنت؟» قال: أنا رجل من أهل الموصل ولدت
[١] الروضة البهية: ١٠ / ٣٠٧ و ٣٠٨ .
[٢] مسالك الأفهام : ١٥ / ٥٠٨ .