إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٣٦ - أقول القاضى نور الله
أبي بكر و ساير من لا يدلّ اللّفظ على ثبوت ذلك لهم حتى عبد أبي بكر، على أن سوق الكلام صريح في الدّلالة على انتفاء ذلك عن الغير مطلقا، و أما ما ذكره بقوله: و بتقدير أن يدلّ على ذلك لكنه يدل إلخ فمردود بأنّ تلك الصفات متلازمة، فنفى بعضها ككونه كرّارا غير فرّار يستلزم نفى الباقي و هو محبة اللّه تعالى و رسوله له و محبته للّه و رسوله، لظهور أنّ محبة الشخص للّه و رسوله و إخلاصه لهما، يقتضى أن تهون عليه نفسه، فلا يفرّ عن أعدائهما و يجاهد في اللّه حقّ جهاده، و كذا محبة اللّه و رسوله يستلزم تأييده في الجهاد بعدم فراره، خصوصا إذا لم يكن المقاومة مع العدوّ فوق الطاقة البشرية كما كانت في القضية المذكورة، بل الوصفان الأوّلان بمنزلة العلّة للوصفين الآخرين، فكان في الكلام تعريض [١] للرّجلين بأنّ فرارهما انما كان لعدم محبتهما للّه و رسوله و بالعكس، فظهر أنّ اللّفظ بمعونة الاستلزام و العلية المذكورين، يدلّ على انتفاء جميع تلك الصفات عمن سبق منه الفرار، و سوق الكلام أيضا دليل واضح على ذلك كما لا يخفى على من تأمل في مقتضيات الحال و المقام و أما ما ذكره بقوله: و أيضا فهو تعالى انما أثبت هذه الصفة للمذكور في هذه الآية إلخ فمدخول بأنه: لو سلّم أنّ الآية بمجرّدها لا يمنع عن حصول تلك الصفة لابي بكر في الزّمان المستقبل، لكن التواريخ [٢] و السير قد دلت على أنه لم تحصل تلك الصفة لأبي بكر قط في المستقبل من الزّمان أيضا، اللهم الا أن
[١] هو من أقسام الكناية عند علماء البيان و يقال له الكناية العرضية أيضا، لان الكناية مسوقة لأجل موصوف غير مذكور، فمن ثم اطلق عليه التعريض لأنه امالة الكلام إلى عرض يدل على المقصود يقال عرضت لفلان و بفلان و ان شئت الوقوف على تفاصيل أقسام التعريض و مراتبها المختلفة وضوحا و خفاء و درجاتها المتفاوتة في الحسن فعليك بالمطولات من كتب البيان و اللّه العاصم.
[٢] إذ لم يذكر فيها اتصافه بتلك الصفة الفاضلة و الكتب ها هي بين يديك فراجع السير و المغازي و التواريخ و التراجم على تشعبها و تنوعها.