إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٣٣ - أقول القاضى نور الله
هذا من الوصف العنواني في الفضل و السعة و لم يعلم أنّ مثل هذا الوصف قد يعرض للكافر السّخي الذي له فضل حاجة و غنى و سعة، بل قد يجتمع مع الذّم، فيقال:
إنّ القوم الفلاني مع كونهم من أولي الفضل و السّعة يبخلون بما آتيهم اللّه تعالى، و يقال: إنّ أبا بكر و أضرابه من الأصحاب مع ما نسب إليهم من المال و الإنفاق قد بخلوا عند نزول آية النّجوى عن تقديم صدقة، بين يدي نجوى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى نسخت الآية فافهم،ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [١]، و من العجب انّه ذكر قبيل هذا الكلام أنّ المراد من قوله:وَ لا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ، لا تقصروا في أن تحسنوا، فحمل الفضل على الإحسان و الإعطاء ثمّ نسى ذلك بعد سطور و أصرّ في أنّ المراد الفضل بمعنى زيادة الثواب أو العلم، مع أنّ الفضل بهذين المعنيين لا يظهر لهما وجه هاهنا إذ كثير من أهل الفضل بمعنى زيادة الثواب أو العلم لا يقدرون على انفاق صلة الرّحم و أقلّ من ذلك، و كذا نمنع أنّ المدح من اللّه تعالى بالدنيا غير جايز، كيف؟ و قد وقع التمدح بها في القرآن بقوله:وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ [٢] الآية إلى غير ذلك، فان التبوء في الأرض الذي هو من نعم الدّنيا لو لم يكن ممدوحا، لما مكّن اللّه تعالى يوسف منه على نبينا و آله و عليه السلام منه بل نقول: الآية قادحة في فضيلة أبي بكر، لاشتمالها على نهيه تعالى عما أتى به أبو بكر من الحلف على أن لا ينفق مسطحا و من معه، كما روي [٣] في شأن النزول، فدلت الآية على صدور المعصية من أبي بكر، و ما أجاب به هذا المتسمّى بالإمام في أواخر هذا المقام: من أنّ النّهى لا يدلّ على وقوعه قال اللّه تعالى لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله
[١] الدخان. الآية ٤٩.
[٢] يوسف. الآية ٥٦.
[٣] و قد مر في صدر الكلام بيان شان نزول الآية و ما رواه القوم في هذا المضمار.