فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٩ - المهــادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
الأمــر الأوّل : في حكمهــا :
وهي جائزة في الجملة بإجماع المسلمين . ومرادنا من الجواز : الجواز بالمعنى الأعمّ ، أي الذي يشمل الواجب والمكروه ، في مقابل عدم الجواز بمعنى الحرمة . ونريد بقولنا « في الجملة » : أنّ الجواز مشروط بشروط ، وما لم تتوفّر الشروط تكون المهادنة محرّمة ، وسوف نذكرها بتفاصيلها .
والدليل على ذلك ـ مضافاً إلى كونه متسالماً عليه بين المسلمين ـ آياتٌ من الذكر الحكيم منها قوله تعالى : {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} (٣)، وقوله تعالى : {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (٤)، ومنها قوله تعالى : {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ} (٥).
فهذه الآيات بدلالتها اللفظية تدلّ على جواز عقد المعاهدة مع الكفّار وتُقرّر ما صدر عن المسلمين من المعاهدة معهم ، والمعاهدة وإن كانت غير مختصّة بما تقع منها راجعة إلى شأن الهدنة وترك القتال ، إلاّ أنّ هذه هي القدر المتيقّن منها .
ومنها قوله تعالى : {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} (٦)فهو يدلّ على جواز الجنوح للسلم حينما يجنح لها العدوّ ، وهذه الآية وإن كان مفادها أضيق دائرة من المدّعى في الباب ، حيث إنّ الجواز فيها مشروط بمبادرة العدوّ إلى الصلح ، مع أنّ المدّعى فيما نحن فيه هو الأعمّ ، إلاّ أنّ دلالتها على الجواز في الجملة ممّا لا يقبل الإنكار . والمناقشة في دلالتها بأنّ : المراد من السلم هو ترك القتال فعلاً ، دون قرار ومواضعة بين الطرفين ، موهونة جدّاً ؛ إذ الظاهر من الأمر بالجنوح إلى السلم خصوصاً مع الاقتران بما سبقه من الشرط ـ أي جنوح العدوّ لها ـ وما لحقه من الأمر بالتوكّل على اللّه ، أنّه أمرٌ بعملٍ إيجابيّ يحتاج إلى عزم وحزم وتوكّل ، لا أنّه أمر بعملٍ يتّفق كثيراً في الحروب بغير تمهيد وعزم مسبق ، بل ما من حرب دامية مستمرّة في برهة من الزمن إلاّ
(٣) التوبة : ٤.
(٤) التوبة : ٧.
(٥) الأنفال : ٥٦.
(٦) الأنفال : ٦١.