فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٧٨ - المهــادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
الوهن إلى الدعوة إلى السلم ، ويستفاد منه أنّ الدعوة إلى السلم إذا كانت ناشئة عن الوهن فهو مبغوض للشارع ، وهو كذلك اعتباراً ؛ إذ ليس شيء أضرّ بكرامة الإسلام وعزّة المسلمين من مثل هذه الدعوة التي هي في الحقيقة التماس للصلح وسؤال له من موقع ذليل لا يناسب شأن الإسلام والمسلمين . لكن أين هذا من حرمة الدعوة إلى الصلح مطلقاً ؟ ! وقد عرفت أنّ طلب الصلح ربّما يكون عن رفعة وعزّة وقدرة ، فليس الصلح دائماً ممّا يحتاج إليه الضعاف ، بل ربّ قويّ يطلب الصلح ويراه مصلحة له ، والمثال الواضح لذلك ما نقل عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) في اقتراحه الصلح على عيينة بن حصين في مقابل مال كثير ، مع كونه (صلى الله عليه و آله و سلم) أقوى منه بكثير .
وبناءً عليه فلا دلالة في الآية الشريفة على ما ادّعى من حرمة السلم إذا كانت ابتداءً من المسلمين وبطلب منهم مطلقاً .
ويؤيّد ما استظهرناه من الآية تعقّب النهي بقوله تعالى : {وَأَنتُمُ الْْإَعْلَوْنَ} (١٢٤)الذي ذكر بمثابة علّة لذلك النهي ؛ فإنّ العلّة إنّما تناسب عدم الوهن وعدم الطلب الناشئ منه ، ولا تناسب الدعوة إلى السلم إذا لم تكن ناشئة عن الوهن والضعف ، كما لا يخفى .
وأمّا قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : « ولا تدفعنّ . . . الخ » فالأمر فيه أوضح ؛ إذ ذكر دعوة العدو للصلح ليس لبيان شرط جوازه ، بل هو بيان لوجه أمره (عليه السلام) لقبول الصلح ، وذلك بقرينة ما تعقّبه من الجمل أعني قوله (عليه السلام) : « فإنّ في الصلح دعةً لجنودك وراحة من همومك وأمناً لبلادك ، الحديث » . فهو في قوّة أن يقول أحد : إذا يدعوك العدوّ بنفسه إلى الصلح فما الوجه في استمرار القتال ودفع مثل هذا الصلح ؟ ! مع أنّ فيه من المنافع كذا وكذا . . .
وإن أبيت إلاّ عن دلالة هذا الحديث على مشروعيّة الصلح الذي هكذا صفته ، فدلالته على عدم جواز غيره من الصلح لا يكون إلاّ بناءً على اعتبار مفهوم الوصف أو اللقب ، وهو كما ترى .
(١٢٤)المصدر السابق .