فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٧٧ - المهــادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
وأمّا قوله تعالى : {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} فيمكن الخدشة في دلالتها بأنّ : متعلّق النهي فيها ليس شيئين غير مرتبطين مع بعضهما البعض ، بل شيء واحد يترتّب بعضه على بعض .
بيان ذلك : إنّ وقوع شيئين في حيّز النهي يكون على وجهين :
فتارة : يكون كلّ منهما متعلّقاً للنهي مستقلاًّ كقولنا : إذا صُمت فلا تأكل ولا تشرب ، وفي مثله لا بدّ من تكرار أداة النهي ، ومن هذا القبيل قوله تعالى : {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا...} (١٢٣)فإنّ الوهن والحزن أمران مستقلاّن ، لا يترتّب أحدهما على الآخر ولذا تكرّر ذكر أداة النهي فيهما .
وتارة : يكون متعلّق النهي أمراً واحداً ، وإنّما ذكر الشيء الآخر كنتيجة لذلك الأمر ، كقولنا : إذا كنت صائماً فلا تأكل وتفطر ، وفي هذا القسم فمتعلّق النهي هو الأكل ، وإنّما ذكر الإفطار كنتيجة له ، وفي مثله لا شبهة في أنّ الشيء المذكور ثانياً هو أيضاً أمر مرغوب عنه ، إلاّ أنّه لم يقع متعلّق النهي مستقلاًّ ، بل ذكر حتى يعلم أنّ هذا مترتّب على الأوّل ومحكوم بحكمه ، ولذا لا تتكرّر فيه أداة النهي .
ومن هذا القبيل قوله تعالى : {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} فما هو الواقع في حيّز النهي هو الوهن في قبال العدو ، والمراد به هو اختلال العزم على الجهاد والثبات ، واستشعار الضعف والهزيمة ، ثمّ إنّ الذي يترتّب كنتيجة له هو الدعوة إلى السلم . وفي الحقيقة : التماس السلم من العدوّ وطلبه من موقع الضعف والوهن . وهذا ـ ولا شكّ ـ أمر مرغوب عنه إلاّ أنّ الوقوع فيه إنّما يتأتّى من ناحية الأمر الأوّل الذي وقع في حيّز النهي أعني الوهن ، فالنهي عن الدعوة إلى السلم ـ التي لم تجعل في حيّز النهي في ظاهر الكلام ، بل هي منهيّ عنها بقرينة المقام ـ إنّما وقع تبعاً للنهي عن الوهن .
وعلى هذا فحاصل مراد الآية ـ واللّه أعلم ـ : فلا تهنوا حتى ينتهي بكم
(١٢٣) آل عمران : ١٣٩.