فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٧٦ - المهــادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
هذا كلّه مضافاً إلى ظهور الآية المباركة {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْْإَعْلَوْنَ وَاللّهُ مَعَكُمْ} (١٢٢)في حرمة الدعوة إلى الصلح ، وبناءً عليه فلو فرض وجود إطلاق في المقام يدلّ على مشروعية الصلح في كلّ صورة من الصور ، فهو يقيّد بهذه الآية المباركة ، كما هو الواضح من النسبة بين كلّ دليلين من هذا القبيل ، فضلاً عن عدم إطلاق من هذا القبيل في البين .
فحاصل ما عرفت : أنّ الصلح المشروع إنّما هو ما يقترح ويستدعى من طرف العدوّ لا غير ؛ لأنّ غيره غير مدلول عليه بأدلّة جواز الصلح ، بل مشمول لدليل النهي عنه ، وهو الآية الشريفة .
هذا ، ولكن يمكن بعض الخدشة في ما استظهر من الأدلّة . أمّا آية الجنوح فلأنّ الجنوح بمعنى الميل ، وهو أعمّ من الاقتراح ، فربّ من يجنح لشيء بدون أن يقترحه ، فقوله تعالى : {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} بمعنى أنّه إن مالوا إلى السلم فمل أنت أيضاً إليها ، وليس فيها تعرّض لمفهوم الاقتراح ، وأنّه من أي جانب لا بدّ أن يكون . فالآية ـ واللّه أعلم ـ بصدد بيان أصل مشروعية الصلح وأنّه مشروع فيما يميل إليه العدوّ ولا يستنكف منه ، ومعلوم أنّه لو لم يقبل العدو ولم يمل إلى الصلح فلا يمكن الصلح للمسلمين .
ويمكن تقرير الاستدلال بنحو آخر . و هو أن يقال : إنّ شرط مشروعية الصلح بناءً على الآية هو ميل العدو ، وإذا لم يمل هو ، فالصلح لا يكون إلاّ بالتماس وطلب ذليل من ناحية المسلمين ، وهذا هو الخارج عن المشروعية ، لا الصلح الذي يكون باقتراح المسلمين من دون ذلّة ، فجنوح العدوّ شرط طبيعي ـ لا شرعي ـ للصلح . ولعلّ وجه ذكره مع ذلك أنّ الآية بصدد بيان أنّه إذا حصل لك فرصة التحصّل على الصلح . بأن جنح إليه عدوّك فلا وجه حينئذٍ لاستمرارك الحرب وتحمّلك أعباءها ، فاجنح أنت أيضاً لها ، وتوكّل على اللّه في آثارها وتبعاتها . فأداة الشرط هنا في الحقيقة استعملت بمعنى « إذا » التي هي أيضاً أداة اُخرى للشرط ، وقد سيقت لبيان الأرضية الطبيعيّة للسلم .
(١٢٢) محمّد : ٣٥.