فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٧٥ - المهــادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
أنّ هناك اُموراً ربّما تُلقي على الذهن أنّ أدلّة الجواز تختصّ بصورة اقتراح الكافر . بل ربّما يستفاد من بعض الأدلّة حرمة الدعوة إلى السلم .
فنقول : أمّا ما يستفاد منها اختصاص المشروعية بصورة طلب الكفّار لها ، فقوله تعالى : {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} ، حيث أنّ الأمر بالجنوح للسلم وقع مشروطاً بجنوح الكفّار له ، فيختصّ الجواز بهذه الصورة ؛ إذ الأصل في معاملة الحربي هو الجهاد ، وإنّما أدلّة الصلح تخصيص لذلك الأصل ، وموجب للخروج منه ، فيكتفى فيه على مقدار دلالة هذه الأدلّة ولا يتجاوز عنها .
وأمّا الآيات الآمرة بإتمام عهد الكفّار إلى مدّتهم ، فهي ناظرة إلى ما وقع من العهد بين النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) والكفّار ، وليس فيها التعرّض لكيفيّة وقوع هذه العهود ، وليس في الروايات الحاكية لتلك العهود ما يوضّح لنا أنّها كانت بطلب من المسلمين ، فلا إطلاق فيها بالنسبة لصورةابتداء المسلمين بدعوة الهدنة .
وممّا يتراءى منه اختصاص مشروعيّة الهدنة بصورة طلب الكفّار ، ما سبق الاستدلال به من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده للأشتر : « ولا تدفعنّ صلحاً دعاك إليه عدوّك ، للّه فيه رضى » الذي نقل عنه (عليه السلام) في نهج البلاغة ومثله في تحف العقول ودعائم الإسلام (١٢١). وجه الاختصاص أنّ النهي إنّما هو عن دفع صلح يدعو إليه العدوّ ، فالمنهي أوّلاً : هو دفع الصلح ، وهو عدم قبوله لا عدم اقتراحه ، وثانياً : هو ردّ الصلح الذي يدعو إليه العدوّ ، فهذا هو شرط مشروعية الصلح ، وفيما عداه يبقى حكم وجوب الجهاد بحاله .
والحــــاصل :أنّ أدلّة مشروعية الصلح بين ما هو مهمل ومجمل بالنسبة إلى شموله لصورة ابتداء المسلمين به ـ كعمل النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) مع كفّار عصره ، والآيات الدالّة على اعتبار العهود المعقودة مع الكفّار ـ ، فلا إطلاق فيه ، وبين ما فيه دلالة ما على اختصاص الحكم بصورة اقتراح العدوّ للهدنة دون غيرها ، فيبقى صورة اقتراح المسلمين للصلح خارجة عن شمول الأدلّة وباقية تحت حكم وجوب الجهاد .
(١٢١)المستدرك ١١: ٤٣ـ ٤٥.