فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٥١ - المهــادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
الواردين في مقام إنشاء الحكم ، من عدم التعارض الموجب لعمليّة تقييد الدليل المطلق بالدليل المقيّد ، فيحكم بمضمونهما جميعاً ؛ وذلك لأنّ وحدة الواقعة هنا تحكم بوحدة المراد من الدليلين ، فلا يبقى مناص من حمل أحدهما على الآخر ، ولمّا كان اختصاص القضية بالرجال وعدم شمولها للنساء في الدليل الأخصّ ، أوفى ظهوراً من شمولها للنساء في الدليل الأعمّ ، فيحمل ذلك عليه ، كما هو مقتضى الجمع العرفي دائماً .
ولكنّ الذي يسهّل الخطب أنّ ما ذكره الشيخ (رحمه الله) في المبسوط وتبعه في نقله العلاّمة (رحمه الله) في المنتهى ، من نزول آية الممتحنة وهي قوله تعالى فيها : {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ... الآية} (٨٤)في مقام ردع النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) عمّا عاهد عليه الكفّار ، فيستفاد منه إطلاق مراد النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) وشموله لمطلق الرجال ـ ذوي المنعة وغيرهم ـ لا يستند إلى دليل معتبر ، وبناءً على ذلك فاختلاف الحديثين لا يؤثّر شيئاً ؛ إذ لا فارق بينهما من جهة عمومهما لفظاً لمطلق الرجال ، وقد عرفت سابقاً في مقام الإشكال على كلام ابن قدامة أنّ هذا الشمول اللفظي لا يكشف عن شمول مراد النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) بالنسبة إلى مطلق الرجال .
فحاصل ما ذكرناه في المقام هو أنّه : إن تمكّنّا من إثبات وجوب الدفع عمّن يريد الكفّار إرجاعه إليهم ، يكون هذا هو الأصل في المسألة ، وتكون السنّة الفعلية النبويّة استثناء منه ، ولا بدّ من الاكتفاء بالقدر المتيقّن في الاستفادة منها . ولكن الظاهر أنّ اثبات وجوب الدفع بالنسبة إلى ما عدا الحاكم الإسلامي مشكل جدّاً ، وإن كان رجحانه شرعاً ممّا لا كلام فيه ، إلاّ أنّه ينبغي الجزم بذلك بالنسبة إلى الحاكم ووليّ أمر المسلمين ، فإنّ الحكومة الإسلامية والجهاز الحاكم على المسلمين ، يجب عليها الدفع عن آحاد المسلمين ، وهي مسؤولة عن شؤونهم الأساسية ، التي منها : كونهم وبقاؤهم في بلد الإسلام ، وعدم مقهوريّتهم في النقل إلى بلد الكفر وتحت حكم الكافرين ، وهذا ممّا تشهد عليه الأدلّة الواردة في بيان معنى الولاية والحكومة الإسلامية ، والحقوق
(٨٤) الممتحنة : ١٠.