فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٣ - المهــادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
هذا هو مضمون الآيات في أوّل سورة براءة ، وهي كما ترى تتصدّى لحكم خاص بالنسبة إلى فئة خاصّة من الكفّار وهم مشركوا مكّة وما حولها من البلاد في الحجاز في زمان خاص ، وليس حكماً عامّاً لكلّ فئات الكفّار ولجميع الأزمنة ، فهي قضيّة خارجية تعلّق الحكم فيها بموضوع معيّن خارجي ، ولذا ترى أنّ حكم عدم المعاهدة مع المشركين الذين يظهرون الرفق ويبطنون البغض والعناد ، لم يفتِ به الفقهاء ، مع أنّه مذكور في الآيات ، وليس ذلك إلاّ من أجل أنّ الحكم في الآية ليس على سياق القضية الحقيقية .
وفي جوّ هذا الاستظهار من الآيات الشريفة ، يتمكّن الإنسان أن يعرف بوضوح أنّ المراد من الأشهر الحرم في الآية ، ليست هي الأربعة المعروفة ، بل المراد منها هي الأربعة التي أمهلهم اللّه تعالى أن يسيحوا فيها آمنين وحرّم على المؤمنين أن يتعرّضوا لهم فيها .
إن قلــت :قد جرى ذكر الأشهر الحرم في الكتاب المبين في غير موضع ، والمراد منها في الجميع هو تلك الأربعة المعروفة ، مثل قوله تعالى : {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ...} (٣٣)، وقوله تعالى : {الشَّهْرُ الْحَرَامِ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ...} (٣٤)فما الصارف عن هذا المعنى هنا ؟
قلــت :
أوّلاً :ذكر اللفظ بمعنىً في مواضع من القرآن الكريم لا يستلزم كونه بعين ذاك المعنى كلّما استعمل في الكتاب العزيز ، ما لم تصل كثرة موارد الاستعمال إلى حدٍّ تحصل به حقيقة شرعية لهذا اللفظ ، أو تكون قرينة صارفة له عن غيره من المعاني . وهذا لا يُقطَع به في ما نحن فيه وبالنسبة إلى الشهر الحرام في هذه الآية .
وثانياً :سلّمنا ذلك ، لكن ذكر الأربعة أشهر التي جُعلت حراماً بالنسبة إلى هؤلاء المشركين في الآيات السابقة المرتبطة بهذه الآية ، وكون الآيات بصدد
(٣٣) التوبة : ٣٦.
(٣٤) البقرة : ١٩٤.