فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٢ - المهــادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
ليست تشير فقط إلى الكفّار الذين كانوا يلون المسلمين يومئذٍ ، أو قوله تعالى : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ...} (٢٩)، فإنّها لا تعني قتال فئة خاصّة تقاتل المؤمنين في ذاك الوقت ، بل تصدّى كلّ منهما لحكم كلّي سارٍ وجارٍ في جميع الأزمنة والأمكنة وبالنسبة إلى جميع طوائف الأعداء ، فكلّما وجد الموضوع في أيّ زمان وأيّ مكان ، وقع عليه الحكم ، شأن جميع القضايا الحقيقية ، هذا هو مبنى الاستدلال بالآية الشريفة على وجوب الجهاد عند انسلاخ الأشهر الحرم في كلّ عام ، ومن الطبيعي أنّ المراد بالأشهر الحرم في الآية بناءً على هذا ، هو الأربعة المعروفة ، أو الثلاثة المجتمعة منها بالذّات .
لكنّك عرفت ممّا قلناه في الأبحاث السابقة (٣٠)، ضعف هذا المبنى ، وعدم الاعتراف منّا بكون المراد من الأشهر الحرم تلك الأربعة المعروفة ، ويتّضح ذلك من النظر إلى الآية الشريفة عن كثب ، وإلى الربط المنطقي عرفاً بينها وبين التي قبلها من الآيات ، وإليك النظرة الإجمالية إليها :
لمّا أعلن تعالى براءته وبراءة رسوله عن المعاهدين من المشركين ، أمهلهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض ، ثمّ قرن التوعيد والتهديد لهم في قوله تعالى : {فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ} (٣١)بترغيبهم وحثّهم على الإيمان في قوله تعالى : {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (٣٢)، ثمّ بعد ذلك التفت إلى المؤمنين وبيّن لهم حكم معاملة المشركين المعاهدين : من لم ينقض منهم عهده ، ومن نقض ، فأمّا من راعى العهد ولم ينقضه ، فأمر المؤمنين بأن يتمّوا عهدهم إلى مدّتهم ولا يتخلّفوا عمّا عاهدوهم عليه ، وأمّا من نقض العهد وأظهر العداوة في أثناء مدّة المعاهدة ، فأمرهم بأن يقتلوهم بعد تمام الأربعة أشهر التي أمهلهم فيها ، ويبيدوهم حيث يجدونهم ويأخذوهم ويحصروهم ويقعدوا لهم كلّ مرصد ، وأن لا يحدّثوا أنفسهم بالمعاهدة معهم بعد ذلك ، إذ كيف يكون لهم عهد عند اللّه وعند رسوله والحال أنّهم إن يظهروا على المؤمنين ويقدروا على إيذائهم والتحامل عليهم لا يرقبوا في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة . . إلى آخر الآيات .
(٢٩) البقرة : ١٩٠.
(٣٠)تقدّم ذلك في بحث آخر ، وهو المطلب التاسع ( من الفصل الرابع) في حكم القتال في الأشهر الحرم .
(٣١) التوبة : ٣.
(٣٢)المصدر السابق .