فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢١ - المهــادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
القضية الحقيقيّة ـ أنّ مدلولها ليس منحصراً في أصل حكم وجوب الجهاد ، كما هو الحال في عمومات هذا الباب ، بل الخطاب فيها متكفّل أوّلاً وبالأصالة لبيان أمر آخر وهو وجوب قتل المشركين حينما انسلخ وانتهى الأشهر الحرم ، بمعنى أنّ لهذه البرهة الزمانية خصوصية في نظر الشارع لإجراء عمليّة القتال ، بحيث لا يرضى بتأخيره عنها ، فيكون انتهاء الأشهر الحرم شرطاً في توجّه هذا الجانب الأصلي من مفاد الآية الشريفة ، وتكون النتيجة أنّ المبادرة إلى الجهاد عند انسلاخ الأشهر الحرم في كلّ عام إلى ما قبل حلول تلك الأشهر من العام القادم يُعتبر أمراً مطلوباً في نظر الشارع المقدّس . وبهذا البيان يتمّ استدلال من استدلّ بهذه الآية على عدم جواز التخلّي عن الجهاد في جميع طول السنة كما لا يخفى .
فحاصل هذا البيان : أنّ آية الانسلاخ أخصّ من دليل الهدنة ؛ لاختصاصها بما بعد انتهاء الأشهر الحرم ، فتُقدّم الآية على دليل الهدنة ، وتكون مقيّدة له بالنسبة إلى الزمان المأخوذ فيها ، ولا تصل النوبة إلى ملاحظة المصلحة وتفاضلها في بابي القتال والصلح . والنتيجة هي أنّ الهدنة إذا كانت ذات مصلحة ، فهي جائزة إلاّ في مورد آية الانسلاخ أعني القتال بعد انتهاء الأشهر الحرم .
والمحصّل من جميع ما ذكرنا في الكلام عمّا أشكل به الشهيد الثاني والمحقّق العراقي رحمهمالله على الاستدلال بآية : {فَإِذَا انسَلَخَ...} إلى آخرها : أنّ الاستدلال بها على عدم جواز عقد الهدنة إلى سنة فما زاد ، صحيح لا يرد عليه شيء ممّا أوردا عليه .
هذا ، ولكن هناك إشكالاً آخر على هذا الاستدلال لم يتعرّض له أحد فيما نعرف ، وهو أنّ مبنى هذا الاستدلال ، هو أنّ مفاد الآية قضيّة حقيقية تصدّى لبيان حكم كلّي جارٍ في جميع الأزمنة وبالنسبة إلى جميع الكفّار ، مثل غيرها من آيات الجهاد كقوله تعالى : {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِنَ الْكُفَّارِ} (٢٨)، فإنّها
(٢٨) التوبة : ١٢٣.