فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٢ - المهــادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
أمر تشخيص المصلحة في كلّ زمان ومكان .
ثمّ لا يخفى أنّ المصالح تختلف أهمّية ، كما أنّ مصاديق الجهاد تختلف كذلك ، ومن المعلوم عدم إمكان التحديد بالنسبة إلى مراتب الأهمية ، سواءً في المصالح أو في عمليات الجهاد في سبيل اللّه . وإنّما الأمر في ذلك أي في تشخيص أهمّية المصلحة الداعية إلى الهدنة في كلّ موردٍ ، أو أهمّية عمليّة الجهاد المفروض في ذلك المورد ، وكذا مراتب الأهمّية كلّها بيد من إليه أمر الجهاد .
وبناءً على ذلك ـ أي على فرض وجود مراتب للمصلحة وأنّ المناط في اللجؤ إلى المهادنة في كلّ مرحلة هو كون المصلحة فيها أهمّ من العملية الجهادية التي هي موضوع تلك المرحلة ـ فلا مناص من الالتزام بوجوب الهدنة أحياناً ـ كما صرّح بذلك العلاّمة في القواعد وارتضاه في الجواهر ـ لأنّ مراتب الرجحان تابعة لمراتب الأهمّية ، فربّما وصلت أهمّية الصلح والهدؤ مرتبة يحكم معها بوجوبه وعدم جواز التخلّف عنه .
إلاّ أنّ ظاهر بعض وصريح آخر عدم وجوب الهدنة بحال . قال العلاّمة في المنتهى والتذكرة : « والهدنة ليست واجبة على كلّ تقدير ، سواء كان بالمسلمين قوّة أو ضعف ، لكنّها جائزة » (١٣). وقال المحقّق في الشرائع : « وهي جائزة إذا تضمّنت مصلحة للمسلمين . . . إلى آخر كلامه » وظاهره عدم وجوبها في حالٍ من الأحوال ، اللّهمّ إلاّ أن يكون مراده الجواز بالمعنى الأعمّ الشامل للوجوب .
وكيف كان فالمستفاد من كلام العلاّمة (رحمه الله) في وجه عدم وجوبها بحال ، هو أنّ دليل الهدنة ـ وهو قوله تعالى : {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} (١٤)، وكذا قوله تعالى : {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (١٥)ـ يحمل على الجواز دون الوجوب ، بقرينة ما دلّ على الأمر بالقتال حتى يلقى اللّه شهيداً ، كقوله تعالى : {يُقَاتِلُونَ}
(١٣)المنتهى ٢ : ٩٧٤. التذكرة ١ : ٤٤٧.
(١٤) الأنفال : ٦١.
(١٥) البقرة : ١٩٥.