فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١١ - المهــادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
للقول بأنّ الصلح والسلم أمر جائز في كلّ زمان ولو مع عدم الحاجة إليه وفقد مصلحة فيه ، فضلاً عن صورة وجود مصلحة في تركه ؛ إذ لازم ذلك لغويّة ذاك الحثّ والتوكيد والتهديد والتوعيد ، وتكون النتيجة هي أنّ تلك الأوامر الأكيدة بالجهاد في آيات الذكر الحكيم لا تحمل حكماً إلزامياً ، بل إنّما هي مسوقة لبيان جواز قتال العدو ، وكونه أمراً راجحاً غير ممنوع عنه ! وهذا خلاف مقتضى الحكمة في كلام الباري الحكيم عزّ اسمه ، فتلك الآيات وهكذا المناسبات العرفية بين الحكم والموضوع بنفسهما كافية لإثبات أنّ الإقدام على السلم مع العدوّ المحارب ليس أمراً جائزاً ومباحاً في أيّ وقت وعلى أي حال ، بل جوازه متوقّف على وجود ما يكفي في تبرير الإقدام عليه من الشرائط والأحوال التي يعبّر عنها بالمصلحة . هذا مضافاً إلى ما يدلّ بظاهره على المنع من السلم والمداراة والتودّد مع الأعداء المحاربين ، كقوله تعالى : {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} (١٠)، وقوله تعالى : {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْراجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ} (١١)، وقوله تعالى : {لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمِ بِالْمَوَدَّةِ} (١٢)، وغيرها من الآيات الكثيرة في هذا الباب .
فحاصل الأدلّة بمجموعها : أنّ وجود المصلحة في قبول الصلح أو اقتراحه على العدوّ شرط شرعاً في جواز ذلك .
ثمّ إنّ المصلحة في هذا الباب لا تنحصر فيما ذكره الفقهاء رحمهمالله من ضعف المسلمين وقلّتهم عن المقاومة ، أو رجاء دخول الكفّار في الإسلام ، أو الحصول على المال الذي يبذلونه للمسلمين . فهناك مصالح اُخرى تناسب ظروف العالم في كلّ عصر ، منها تحسين سمعة النظام الإسلامي كنظام يقترح الصلح على مناوئيه ، ومنها تخويف عدوٍّ آخر طامع في بلاد المسلمين من جهة كونهم مشغولين بالحرب ، فإذا رأى ذاك العدوّ أنّ الإمام بصدد الصلح مع مقاتليه ، فإنّه يخاف ويقطع طمعه ، ومنها غير ذلك ممّا يعرفه الذي بيده
(١٠) محمّد : ٣٥.
(١١) الممتحنة : ٩.
(١٢) الممتحنة : ١.