فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٧١
لا نستبعد أن يكون معاصره أحمد بن محمّد بن الجنيد ببغداد قد استلهم من طريقته ومنهجه ؛ إذ قد عرف عنه ـ أيضاً ـ اعتبار العقل واستدلالاته مصدراً رئيسياً من مصادر الاجتهاد والاستنباط .
وعلى أي تقدير ، فإنّه لم تمضِ برهة طويلة حتى قيّض اللّه رجلاً قد اتّسع صدره للعلم ، غزير المواهب ، متوقّد الذهن ، تتفجّر جوانبه علماً وفقهاً نعني بذلك فخر الطائفة وطودها الشيخ المفيد ، فقد وعى هذا الشيخ الجليل ما كان يصبو إليه ذلك الفقيه العظيم ، واستوعب مبانيه واُصول مسلكه ، فسعى إلى تطبيقها ونقلها إلى واقع الممارسة الاجتهادية ، وقد نجح في ذلك لأسباب عديدة ، أهمّها :
١ ـ مواهبه وقدراته الذاتية .
٢ ـ إقامته في عاصمة العلم بغداد وموقعه المتميّز فيها .
٣ ـ تمكّنه من تشييد مدرسة وتخريج جيل من الفقهاء يعدّون من النوادر والأفذاذ ، كشيخ الطائفة الطوسي ، والشريف المرتضى علم الهدى ، وغيرهم من أقطاب هذه المدرسة ممّن عمل على إحكام قواعدها والترويج لأفكارها .
وعلى كلّ حال ، فقد كان المفيد ممّن تأثّر بطريقة العماني ـ بواسطة شيخه ابن قولويه ـ ولذا فإنّه لم يكن يُخفي إعجابه واستحسانه لها في مجالس بحثه ودرسه (٥٤)، ولم يكن هذا الاعجاب والاطراء منحصراً بالمفيد ومن عاصره من الفقهاء بل أدرك المتأخّرون عنه المكانة الخاصّة لفقه العماني وآرائه ، فاعتنوا بنقل أقواله واستدلالاته ، وأثنوا عليه بكلّ مكرمة وجميل .
قال ابن إدريس : « وهذا الرجل وجه من وجوه أصحابنا ، ثقة ، فقيه متكلّم » ثمّ عدّه في موضع آخر من جلّة أصحابنا والفقهاء المحصّلين (٥٥).
وقال الخونساري : إنّ هذا الشيخ هو الذي يُنسب إليه إبداع أساس النّظر في الأدلّة ، وطريق الجمع بين مدارك الأحكام بالاجتهاد الصحيح (٥٦).
وذكر السيّد بحر العلوم بأنّ للأصحاب مزيد اعتناء بنقل أقواله وضبط فتاواه ، خصوصاً الفاضلين ومن تأخّر عنهما ، وهو أوّل من هذّب الفقه واستعمل النّظر ،
(٥٤)رجال النجاشي : ٤٨.
(٥٥)السرائر ١ : ٤٢٩و ٤٤٣.
(٥٦)روضات الجنّات ٢ : ٣٥٩.