فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨٦ - فقه الحديث ــ شهادات أصحاب الكتب الحديثية ومدى دلالتها على يقينية الصدور الاُستاذ الشيخ حيدر حب الله
موقف الذهلي رأى فيه مظاهر الحسد » (٣٠) .
وقد علّق أبو الخطاب عمر بن الحسن ابن دحية الأندلسي البلنسي ( ٦٣٣ هـ ) على رواية إرسال علي وخالد إلى اليمن قبل حجّة الوداع ؛ وهي الرواية التي ركّز علماء الشيعة عليها للطعن في البخاري ، فقال : « أورده البخاري ناقصاً مبتراً كما ترى ، وهي عادته في إيراد الأحاديث التي من هذا القبيل ، وما ذاك إلا لسوء رأيه في التنكّب عن هذه السبيل » ، ويقول بعد نقل خبرٍ عن مسلم : « بدأنا بما أورده مسلم ؛ لأنه أورده بكماله ، وقطّعه البخاري وأسقط منه على عادته كما ترى ، وهو ممّا عيب عليه في تصنيفه على ما جرى ، ولا سيما إسقاطه لذكر علي رضي الله عنه » (٣١) .
وقد نصّت الكتب على أنّ البخاري عانى من موقفه في القرآن وانقسم الرأي حوله في نيسابور لما زارها ، وهجره أكثر الناس في نيسابور إلا مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح (٣٢) ، وانتقد في موضع وأيّد في آخر ، حتى نسب إليه أنه حُرّف كلامه وأنه كان يريد خلق الأفعال لا خلق القرآن ، كما يذكر أبو العباس القسطلاني ( ٩٢٣ هـ ) في إرشاد الساري (٣٣) .
ولسنا هنا بصدد تأييد كلمات ابن دحية الأندلسي أو رفضها ، وإنّما زيد الإشارة إلى أنّ الموقف قديماً لم يكن تقديسياً بشكل تام ، علماً أنّ انقسام الرأي في نيسابور ـ وهي مدينة علمية ـ حول البخاري بعد سفره إليها وحديثه فيها عن خلق القرآن شاهد إضافي على وجود وجهات نظر متعدّدة منه ، بعضها مؤيّد وبعضها ناقد .
ومن الشواهد أيضاً سلسلة الانتقادات التي سجّلها الحافظ أبو الحسن الدارقطني ، فإنّ أبا عمرو ابن الصلاح الذي كان أحد المنظّرين الأساسيين لتصحيح الصحيحين واعتبارهما فوق كلّ نقد ، قد صرّح بنفسه بعد ادّعائه
(٣٠) انظر : الذهبي ، تاريخ الإسلام ١٩ : ٢٦٧ ـ ٢٦٨ ؛ وإرشاد الساري ١ : ٦٥ ـ ٦٦ .
(٣١) انظـر : الإصفهاني ، القـول الصـراح : ٩٤ ؛ والميلانـي ، نفحـات الأزهـار ١٦ : ٢٣٥ ؛ والصحيحان في الميزان : ١٨ ـ ٢١ ؛ واستخراج المرام ٢ : ٣٨٨ ـ ٣٩١ .
(٣٢) انظر : ابن خلكان ، وفيات الأعيان ٥ : ١٩٤ .
(٣٣) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ١ : ٦٥ ـ ٦٦ .