فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨٩ - فقه الحديث ــ شهادات أصحاب الكتب الحديثية ومدى دلالتها على يقينية الصدور الاُستاذ الشيخ حيدر حب الله
قطن بن نسير فقال : وهذا أطمّ من الأول ... إلى آخر الاعتراض الذي وصل إلى مسلم بنيسابور ووافق عليه لكن برّر لنفسه إيراد هذه الروايات (٤٦) . كما نقلوا استخفاف إبراهيم العدي بمسلم ، وأنّ مسلماً غمزه بلا حجّة (٤٧) . ونقل عن الأدفوي في ( الإمتاع ) أنّ أبا زرعة كان يذمّ وضع كتاب مسلم وأنّ فيه فلان وفلان فكيف يسمّى صحيحاً ؟ ! (٤٨) .
ومهما كان موقفنا من هذه الاعتراضات ، فإنّها تدلّ على تعدّد في الرأي إزاء هؤلاء الأئمة المحدّثين ، بل نجد في بعض المصادر المهمّة كوفيات الأعيان لابن خلكان ( ٦٨١ هـ ) أنّ مسلم بن الحجاج أخذ بمذهب البخاري في مسألة اللفظ وأنه عوتب على ذلك في الحجار والعراق ، بل قد عرّض به الذهلي وخرج مسلم من مجلسه بعد أن فعل الذهلي ذلك واشتدّ الخلاف بينهما (٤٩) .
ومن الطبيعي أنّ هذه الخلافات لم تكن تمنع أحياناً عن اعتبار المحدّث مرجعاً في الحديث ، فنقده على أساس أمرٍ ما ليس معناه سحقاً تاماً لأحاديثه ، فقد نقل الخطيب البغدادي في تاريخه والذهبي في تذكرة الحفاظ عن أحمد بن سلمة أنّ أبا زرعة وأبا حاتم كانا يريان في مسلم التقدّم على مشايخ عصره في معرفة الصحيح (٥٠) ، وربما كان هذا الرأي قبل الخلاف حول خلق القرآن .
ونحن نجد في العديد من شروح الصحاح ملاحظات نقدية سجّلها أو نقلها الشارحون مثل فتح الباري لابن حجر ، وشرح مسلم للنووي وغيرهما ، وكلّه يشهد لوجود فسحة من النقد يمتلكها الباحث في تناول هذه الكتب ، ولا مجال هنا لاستعراض الأمثلة فهي عديدة .
وإذا كان هذا حال الصحيحين ، فماذا ترى في سائر الصحاح ؟ فعلى سبيل المثال أدخل ابن الجوزي في كتاب الموضوعات ثلاثين رواية ذكرها ابن ماجة ، وهذا ما فعل مثله مع الترمذي وابن داوود ، كما اشتهر أنّ الرجال الذين انفرد
(٤٦) انظر : تاريخ بغداد ٥ : ٢٨ ـ ٢٩ ؛ وتهذيب الكمال ١ : ٤١٩ ـ ٤٢٠ ؛ وسير أعلام النبلاء ١٢ : ٥٧١ ؛ وميزان الاعتدال ١ : ١٢٦ و ... .
(٤٧) انظر : ميزان الاعتدال ١ : ٤٤ ؛ ولسان الميزان ١ : ٧٤ ؛ وقد جعل الميلاني هذا مضرّاً بعدالة مسلم في استخراج المرام ٢ : ٤٦٥ ؛ لكنه مردود .
(٤٨) استخراج المرام ٢ : ٤٦٦ .
(٤٩) انظر : تاريخ مدينة دمشق ٥٨ : ٩٤ ؛ ووفيات الأعيان ٥ : ١٩٤ ـ ١٩٥ ؛ وتاريخ بغداد ١٣ : ١٠٣ ـ ١٠٤ ؛ وتذكرة الحفاظ ٢ : ٥٨٩ ـ ٥٩٠ .
(٥٠) تذكرة الحفاظ ٢ : ٥٨٩ ؛ وتاريخ بغداد ١٣ : ١٠٢ ؛ وتاريخ مدينة دمشق ٥٨ : ٩٠ ـ ٩١ ؛ وتهذيب الكمال ٢٧ : ٥٠٦ .