فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨٠ - فقه الحديث ــ شهادات أصحاب الكتب الحديثية ومدى دلالتها على يقينية الصدور الاُستاذ الشيخ حيدر حب الله
ولعلّ هذا الواقع قد يعزّز مقولة التقيّة التي أحاطت عملهم ، رغم أنّنا لا نفهم مَدَيَات هذه التقية ما دامت علاقتهم هذه إنّما هي مع رجال الشيعة الذين يعرفونهم سلفاً حسب الفرض ! وما دام الارتباط في أمر السياسة والتنظيم يماثل الارتباط في الأمور الاُخرى من حيث طبيعة المتطلّبات .
٣ ـ وأمّا مقولة « الكافي كافٍ لشيعتنا » المنسوبة إلى الإمام المهدي ، والمتداولة في الوسط الشيعي مؤخراً ، فلعلّ أوّل من أتى على ذكرها ـ بحسب تتبّعي ـ هو الشيخ خليل بن غازي القزويني ( ١٠٨٩ هـ ) في القرن الحادي عشر الهجري (١٢) ، ولم تعرف في أوساط الشيعة قبل ذلك ، وقد رفضها حتى الإخباريون مثل المحدّث النوري ، ومن ثم فلا قيمة لها مهما اشتهرت .
الملاحظة الثالثة :
إذا التزمنا بأنّ الكلينيّ والصدوق وابن ماجة ومسلم والنسائي و ... كانوا قاطعين جازمين ـ ولو قطعاً عادياً ـ بصحّة روايات كتبهم ، ودلّت مقدّمتهم ـ أو سائر نصوصهم ـ على ذلك ، فهذا لا ينفعنا شيئاً ، وهذه نقطة مهمّة جدّاً في درس تجربة الماضين وتقويمها في العقل الأصولي ، ذلك أنّ الأكثر يعتقدون بأنّ مصطلح الصحيح عند القدماء بمعنى الثبوت وما حصل علم ـ ولو عادي ـ به ، وهذا معناه أنّ عناصر تكوّن العلم متعدّدة لا تنحصر بالسند أو وثاقة رجاله ، فإذا أيقن الكليني والصدوق والطوسي والبخاري وغيرهم بصحّة رواياتهم وثبوتها ، فلا يدلّ ذلك على أننا غدونا على يقين ، فلعلّ العناصر التي أورثتهم اليقين لو بانت لنا اليوم في ظلّ تطوّرات العقل النقدي الأصولي والرجالي والحديثي والتاريخي لما أورثتنا ذاك اليقين ، وهذا معناه أن شهادتهم بثبوت رواياتهم شهادة اجتهادية (١٣) حيث لم يسمعوا من النبي أو الإمام مباشرةً حتى يكون نقلهم شهادةً حسيّةً ، يلزمنا الأخذ بها لأجل لزوم الأخذ بخبر الثقة مثلاً ،
(١٢) انظر ترجمته في أعيان الشيعة ٦ : ٣٥٥ وما بعد ؛ ورياض العلماء ٢ : ٢٦٠ وما بعد ؛ وروضات الجنات ٣ : ٢٧٠ ؛ وراجع : مع الكليني وكتابه الكافي ، مقالة لثامر هاشم حبيب العميدي ، مجلّة علوم الحديث ١ : ٢٣٨ .
(١٣) صرّح باجتهادية شهادتهم بشكل واضح أبو القاسم النراقي في شعب المقال : ١٥ .