فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣١٤
وهكذا نجد المسؤولية في موضع آخر تحرّك شيخنا الصدوق لأن يقف بنيسابور بعد منصرفه من مشهد الإمام الرضا (عليه السلام) ، ليذبّ الشبهات والتشكيكات حول موضوع الغيبة ، التي حيرّت أتباع أهل البيت (عليهم السلام) حتى عدلوا عن طريق التسليم إلى الآراء والمقاييس (٤٨)، ثمّ يصنّف بعد ذلك كتاب إكمال الدين لاستئصال شأفة الشبهة وفقء عين الفتنة . وبمثل هذا الحماس والحميّة على الحقّ هبّ يذود عن المذهب ويبرّئه بالمنطق العلمي ممّا نسبه إليه البعض من القول بالجبر والتشبيه فقبّحوا بذلك عند الجهال صورة مذهبنا ولبّسوا عليهم طريقتنا (٤٩)، فوضع للردّ على تلك التخرّصات والسفاسف كتاب « التوحيد » .
وهكذا ، فقد كان الشيخ الصدوق يتحرّى مواقع الحاجة فيندفع لرفعها ولو كانت في اطار ضيّق وفردي ، كما في تأليفه لكتابه العظيم « من لا يحضره الفقيه » إذ كان ذلك استجابة لرغبة كاشف بها الشريف محمّد بن الحسن أبو عبداللّه ـ المعروف بنعمة ـ شيخنا الصدوق (رحمه الله) في أن يصنّف له كتاباً في الحلال والحرام (٥٠)( رسالة عملية ) ، فلبّى الشيخ الصدوق رغبته وأجابه إلى مُنيته من غير تعلّل أو اعتذار في إنجاز هذا السفر الكبير لرغبة إنسان واحد ، وذلك عندما وجد أنّ من مسؤوليته القيام بمثل هذا الأمر .
ولعمري ، فإنّ هذا التواضع الجمّ والخُلق الرفيع لهو من دلائل العظمة وسموّ الذات ولا يجمع العلم إلاّ بالتواضع وما تلك الاُبّهة والمجد الذي بناه الشيخ الصدوق إلاّ من ثمرات تواضعه وخصاله الحميدة ، وحقّاً فإنّ من تواضع للّه رفعه .
ثانياً ـ إخلاصه : لاريب أنّ عامل الإخلاص يمثّل جوهر العمل ولبّه ، فهو الذي يوجّه الممارسة فينقلها إلى عالم المعنى والعبادية ومن ثمّ يرشّحها للقبول . كما أنّه يضمن سلامة العمل واستكماله ببلوغه المراحل النهائية منه حتى يكتب له البقاء والخلود . وقد تجلّى عامل الإخلاص في أعمال الشيخ الصدوق (رحمه الله) بشكل بارز وملموس من خلال ما سطّرته يراعته من مؤلّفات . وإليك بعض النماذج التي استهلّ بها كتبه لتكشف عن طرفٍ ممّا ذكرنا .
(٤٨)مقدّمة الشيخ الصدوق على إكمال الدين : ٢ .
(٤٩)مقدّمة المؤلف على كتاب التوحيد .
(٥٠)مقدّمة المؤلّف على من لا يحضره الفقيه .