فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٠١
٤ ـ رحـلاتـه
لا يخفى على أحد ما تنطوي عليه كثرة الأسفار والتطواف بين البلدان وحواضر العلم من عظيم الفائدة والأثر في تطوير حركة العلم وتعميقها ، على الرغم ممّا يكتنف ذلك من الأخطار والمشاقّ ، سيّما في تلك الأعصار المتقدّمة . إلاّ أنّ كلّ ذلك يضؤل إذا بات الهدف مقدّساً ، وكانت العزيمة راسخة فـ « ما ضعف بدن عمّا قويت عليه النيّة » (٨).
وقد كان الشيخ الصدوق ( عليه الرحمة ) من اُولئك الأفذاذ الذين قويت فيهم العزيمة في اللّه وللّه ، فهاجر من أجل طلب العلم ونشره ؛ إذ ليس من بلدة أو مدينة كان الشيخ يدخلها إلاّ وأفاد فيها أو استفاد من شيوخها وأرباب الرواية والحديث .
والذي نحسبه أنّ الذي كان يدعوه إلى الإكثار من الترحال والسفر حتى بلغ مجموع أسفاره إلى أصقاع العالم الإسلامي سبعة عشرة رحلة ـ بحسب ما ظهر من أسانيد كتبه (٩)ـ هو الاُمور التالية :
١ ـ حبّه الشديد وشغفه المفرط في طلب العلم وتحصيله .
٢ ـ اعتقاده بعدم إيفاء حاضرته العلمية في قم والري بما يرومه ويريد البلوغ إليه ؛ لوجود الكثير من الفقهاء والمحدّثين في حواضر العلم الاُخرى الذين لا تتحقّق الإفادة منهم إلاّ بشدِّ الرحال إليهم .
٣ ـ شعوره بالمسؤولية في كثير من هذه الأسفار كما في سفره إلى الريّ وإقامته فيها بطلب من أهلها وعلمائها ، وكذا أسفاره الاُخرى التي كان يتولّى فيها نشر المذهب والذبّ عن عقائده ودحض الشبهات الموجّهة ضدّه وتثبيت قلوب المؤمنين وإرشادهم .
وإليك تفصيل أسفاره ورحلاته التي طاف فيها كثيراً من البلاد ، حتى وصفه بـ ( الرحلة ) كثير ممّن تعرّض لترجمته (١٠).
١ ـ الريّ :وهي موطنه الثاني من بعد قم ، وأوّل البلاد التي نزل فيها ، حيث
(٨)من لا يحضره الفقيه ٤ : ٤٠٠ .
(٩)الذي نعتقده زيادة أسفاره على العدد المذكور ، إذ هو مستخرج من أسانيد كتبه التي يؤرّخ فيها تأريخ السماع ومكانه ،
(١٠)قد اعتمدنا في ترتيب أسفاره على ما استخرجه العلاّمة الشيخ عبدالرحيم الربّاني من أسانيد كتب الشيخ الصدوق في