فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٥٣ - ما يضمنه الجاني من خسائر آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
بل يمكن أن ندّعي القطع ـ أو الاطمئنان على الأقلّ ـ بعدم ضمان الجاني في شرعنا الأقدس لما يفوت المجني عليه من الكسب ونحوه من الأضرار التبعية ، والتي حكمت أكثر القوانين الوضعية اليوم بضمانها ؛ وذلك لأنّنا لو لم نستطع أن نستفيد من سكوت كافّة روايات الديات عن ذكر ذلك دلالة على عدمها ـ بدعوى كونها في مقام بيان ضمان دية العيب والنقص الواقع على البدن فقط لا الأضرار المادية الاُخرى ـ فلا إشكال في أنّ هذه المسألة كانت موضع الابتلاء كثيراً ، فما أكثر الجنايات التي تقع عمداً أو سهواً أو خطأً في المجتمع ، والتي كان يُقضى فيها بدفع الدية أو بالقصاص ! فلو كانت المنافع والمكاسب العائدة إلى المجني عليه مضمونة على الجاني ـ وعادة يكون للمجني عليه كسب وعمل يفوته ولو مؤقتاً ـ بالجناية لانعكس ذلك واشتهر وبان في الروايات والفتاوى ، مع أنّه لم يرد شيء من ذلك ، ولم يرد في مورد أنّ القضاء الإسلامي غرّم الجاني ما كان يكسبه المجني عليه لولا الجناية ، بل ولعلّ في الروايات الدالّة على أنّ المسلمين تتكافأ دماؤهم وأنّه لا فرق في الدية بين الصغير والكبير والشريف والوضيع منهم ما يدلّ على نفي مثل هذا الضمان ، وليس يرد هنا ما أوردناه في المسألة الاُولى من ضآلة قيمة العلاج ونفقاته وكونها ضمن النفقات اليومية الاعتيادية للإنسان كما لا يخفى . وهذا بحسب الحقيقة دليل لبّي يمكن أن يُستدلّ به على عدم ضمان الجاني زائداً على الدية ونفقات البرء والعلاج ـ إذا قلنا بضمانها في المسألة الاُولى ـ تعويضاً عمّا يفوته أو يفوت عائلته من الكسب والمنفعة .
وأما المسألة الثالثةفهي ضمان الجاني نفقات المرافعة والمقاضاة ، وقد ذكرنا أنّ هذا البحث لا يختص بباب الجنايات ، بل يجري في كل مرافعة ودعوى حتى المدنية ، فهل يحكم بثبوت نفقات المرافعة على المحكوم عليه دائماً أو لا ؟ وينبغي إيراد البحث في فرعين :
الفرع الأوّل ـفي ضمان المحكوم عليه للمحكوم له ما قد يصرفه من نفقات