فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٤٥ - ما يضمنه الجاني من خسائر آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
ومنه يظهر وجه عدم تعرّض روايات المصالحة على حق القصاص بالدية أو استرقاق العبد الجاني إذا كانت دية جنايته مستوعبة لنفقة العلاج وعدم إدخالها في الحساب ، فإنّ ما يصلح جعله بدلاً عن حق القصاص أو موجباً لحق الاسترقاق خصوص ما يضمنه الجاني من الدية ـ أي من التعويض في قبال الجرح أو العيب أو النقص في البدن ـ لا ما يغرمه وتشتغل ذمته به بملاك آخر كإتلاف الأموال وإن كان بسبب الجناية وملازماً معها ، كما إذا كان قيمة ثوبه الذي أتلفه مع الدية مستوعباً لقيمة العبد فإنّه لا يسترقّ بذلك .
وأما التقريب الثاني ـفبالمنع عن صحة ذلك الفهم للديات أساساً ؛ فإنّ الحرّ لا يتعامل معه تعامل المال لا عند العقلاء ولا عند الشارع ، فليست دية جراحته قيمة ما نقص من قيمته وماليته ولا تعويضاً مدنياً ، بل تعويض وغرامة جنائية كالعقوبات المالية غاية الأمر جعلت حقّاً للمجني عليه كالقصاص ؛ ومن هنا كانت أحكام الديات تختلف عن أحكام باب ضمان الأموال الذي يعبّر عنه بالمسؤولية المدنية ، من قبيل تحمّل العاقلة للدية في الخطأ المحض أو تعلّق أكثر من دية واحدة إذا تعدّدت الجناية على الأعضاء بحيث كان مجموعها أكثر من دية ، بل قد تبلغ ست ديات كما في بعض الروايات ، أو جعل المرأة تعاقل الرجل في الدية إلى الثلث ثم تعود إلى النصف ، أو عدم الفرق في مقدار الديات بين الصغير والكبير والوضيع والشريف والماهر الخبير الكسوب وغيره ، أو الفرق بين دية المسلم والكافر . . إلى غير ذلك من الأحكام التي تدلّنا على أنّ فهم الدية على أنّها قيمة المالية الناقصة بالجراحة لبدن الإنسان غير صحيح ، بل الأنسب كونها تكريماً للمجني عليه وجعل حق عقوبة وغرامة مالية بيده على الجاني تتقدّر بحسب فداحة الجناية وخطورتها وخفّتها ، والتعبير بالضمان أو الغرامة الوارد في الروايات لا يدلّ على خلاف ذلك ؛ إذ الضمان أو الغرامة معنى عام ينطبق على التعويضات والغرامات الجنائية أيضاً باعتبار اشتغال ذمة الجاني بها ، كالتعويض المدني عن المال .