فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣١٣
أوّلاً ـ الاحساس بالمسؤولية :من الاُمور التي تميّز بها فقهاؤنا على مرّ العصور شعورهم بالمسؤولية ، ونهوضهم بأعبائها في جميع مواقع الحياة ومجالاتها . ولا يخفى هذا الأمر على كلّ من سبر تاريخ اُولئك الأعاظم وتأمّل في تفاصيله ووقائعه . ولا غرو فإنّ الفقهاء هم حصون الاُمّة وحماتها .
وإنّ المتتبّع لحياة شيخنا الصدوق أعلى اللّه مقامه يجد تجسيد ذلك في أكثر من مجال من حياة هذا الإمام الفقيه الذي كان يقدّر مواقع المسؤولية في جسم الاُمّة فيحاول أن يملأها بوجوده الشريف تارة وبقلمه وبيانه اُخرى ، وبسجالاته ومناظراته تارة ثالثة .
ولعلّ في طليعة تلك المسؤوليات التي وضعت نفسها بين يدي شيخنا الصدوق (رحمه الله) تستنهضه لحمل أعبائها ، سفره إلى الريّ وإقامته فيها برغبة وطلب أهلها الذين رغبوا في حضوره وإقامته للإفادة من محضره على كثرة من في الريّ من المحدّثين والفقهاء وذوي الفضل .
ولم يرد في المصادر تحديد دقيق لتاريخ هجرته إلى الريّ . نعم الموجود في أسانيد بعض كتبه (٤٧)وجوده بقم إلى سنة ٣٣٩ .
وعلى أيّ تقدير فقد نزل الشيخ الصدوق بالري والتفت حوله جماهيرها ومحدّثوها ، يستمطرون وابل علمه ويستظلّون بغمائم فضله ، قد غمرتهم رعاية الشيخ وعنايته ، وعلاهم وقاره وهيبته ، وبهرتهم غزارة علمه وتدّفقه ما تركهم عكوفاً على بابه ، ذاهلين عمّن سواه .
ولقد كان من ثمرات وجوده (رحمه الله) بالري دفاعه عن المذهب الحقّ من خلال محاججاته ومناظراته مع بعض علماء المسلمين أو الملاحدة بحضرة الأمير ركن الدولة البويهي الذي كان مجلسه واسعاً لأهل العلم والفضل ، وقد جرت تلك المناظرات في موضوعات شتّى كالإمامة ومسألة النصّ والغيبة وغير ذلك . وكان الشيخ يُلزم أنداده في البحث بالأدلّة الدامغة والحجج الساطعة فيمسك الخصم عن مجاراته ويذعن بالحقّ الصراح الذي كشف الشيخ عن جلّيته وأماط اللثام عن غرّته .
(٤٧)عيون أخبار الرضا ١ : ٢٠٥ ، ط . منشورات الأعلمي .