فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٣٦ - مسؤولية الطبيب وضمانه الاُستاذ الشيخ محمد هادي آل راضي
وأمر باستعمالها ـ قد يقال : إنّ الطبيب في هذه الحالة ليس ضامناً أيضاً وإن كان آمراً ، لكن حيث كان المباشر عاقلاً بالغاً مختاراً فهذا من موارد كون المباشر أقوى من السبب ، فالفعل يستند إلى المباشر لا إلى السبب أي الطبيب ، وبالتالي لا يكون الطبيب ضامناً . نعم ، لو كان المباشر مجرّد آلة بحيث يسند الفعل عرفاً إلى السبب ( الطبيب ) ـ كما لو كان المباشر صبياً أو مجنوناً ـ لكان السبب ضامناً ؛ لأنّه حينئذٍ أقوى من المباشر .
والحاصل : أنّ الضمان إنّما يثبت في حق الطبيب فيما إذا استند الفعل الموجب للإتلاف إليه ، وهذا الاستناد إنّما يتحقق في صورة المباشرة ، وأمّا في غيرها فلا يتحقق إلاّ إذا كان السبب أقوى من المباشر ، وهو غير متحقق فيما إذا كان المباشر بالغاً عاقلاً ، فلا ضمان في هذه الحالة .
والصحيح : أنّ المدرك للضمان إن كان هو رواية السكوني فالظاهر عدم دخول هذه الحالة فيها ، فلا يثبت فيها الضمان ؛ وذلك لظهور الرواية في صورة المباشرة بقرينة قوله فيها : « أو تبيطر » الظاهر في معالجة الحيوان المريض مباشرة ، واقتران قوله : « تطبب » بذلك قرينة على الاختصاص بصورة المباشرة . وإذا لم تكن ظاهرة في ذلك فلا أقلّ من عدم ظهورها في العموم على نحو تشمل محلّ الكلام ؛ لاحتمال القرينية في قوله : « أو تبيطر » .
وأمّا إذا كان المدرك للضمان بقية الأدلّة ـ كما هو الصحيح ؛ لما عرفت من عدم تمامية سند رواية السكوني ـ مثل قاعدة الإتلاف ، أو كون الجناية شبه العمد الموجبة للضمان ، فالظاهر حينئذٍ الضمان في هذه الحالة ؛ وذلك لأنّ الفعل الموجب للتلف في محل الكلام هو تناول الدواء ، والفاعل المباشر له وإن كان غير الطبيب بحسب الفرض إلاّ أنّ الطبيب لمّا كتب النسخة وأمر المريض باستعمالها فالفعل يستند إليه عرفاً ، فيقال عالجه الطبيب الفلاني بلا تجوّز أصلاً ، وإذا استند الفعل إليه في هذه الحالة ثبت الضمان ؛ لأنّه متلف وجانٍ ، والأدلّة دلّت على ضمانه ، وسيأتي مزيد توضيح لذلك .