فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨٧
ثم إنّ تقديم الوصية في الذكر مع كونها مؤخّرة عن الدَّين في حكم الشرع ; لوجوه ذكروها :
منها : لأنّها أكثر وقوعاً من الدَّين ، فصارت كاللازم لكلّ ميت مع نص الشارع عليها ، وأخّر الدَّين لندرته ، فبدأ بالذي يقع غالباً وعطف بالذي قد يقع أحياناً ، ويقوّي هذا : العطف بـ {أَوْ } ; إذ لو كان الدَّين راتباً لكان العطف بالواو(٢٠١).
ومنها : للاهتمام بها كي لا تُهمل ، فإنّها بحاجة إلى التأكيد والمبالغة ; إذ من المتوقّع أن لا يسمعها الوارث لكونها أشقّ عليه من الدَّين وأقرب منه في عدم القبول(٢٠٢)، فسوّيت مع الدَّين في التقديم حتى قدّمت ونزّلت منزلته ، لا لكونها أهم منه ، فإنّ تقدّم الدَّين لوضوحه غنىّ عن التقديم لفظاً .
ومنها : لأنّها مشابهة مع الإرث ; لتوقّف ثبوتها على الموت ، ولكونها مأخوذة من غير عوض ، فذكرت بعده(٢٠٣).
ومنها : إنّما قدّمت الوصية لأنّها حظّ مساكين وضعفاء ، واُخّر الدَّين لأنّه حظّ غريم يطلبه بقوة وسلطان وله فيه مقال(٢٠٤).
ومنها : باعتبار أنّ الوصية ينشؤها الموصي من قِبل نفسه فقدّمها ، والدَّين حق ثابت لابدّ من أدائه ذكره أو لم يذكره .
ومنها : أنّه ذكر الوصية ; لأنّها أمر مشكل ، هل يقصد ذلك ويلزم امتثاله ، أم لا ؟ فإنّ الدَّين كان ابتداءً تاماً مشهوراً لابدّ منه ، فقدّم المشكل ; لأنّه أهم في البيان .
ومنها : أنّ الوصية كانت مشروعة ثم نسخت في بعض الصّور ، فلمّا ضعّفها النسخ قوّيت بتقديم الذكر(٢٠٥).
ويمكن أن يضاف وجه آخر : وهو أنّ أغلب الناس إذا أوصى تقدّم الواجبات في الوصية عادة ومنها الدَّين .
(٢٠١) الجامع لأحكام القرآن ( القرطبي) ٥ : ٧٤ .
(٢٠٢) آيات الاحكام ( الجرجاني ) ٢ : ٥٨٥ .
(٢٠٣) مسالك الافهام ( الكاظمي ) ٤ : ١٧٢ .
(٢٠٤) الجامع لأحكام القرآن ( القرطبي) ٥ : ٧٤ .
(٢٠٥) أحكام القرآن ( ابن العربي ) ١٤ : ٣٤٤ .