فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨٣ - العلاّمة الحلّي وبذور تكوّن مدرسة السند في الفكر الإمامي الشيخ حيدر حب اللّه
من أنّ خطوة الحاكم هذه بقيت منعزلةً عن المناخ الشيعي برمّته ، فلم نجد لها حضوراً في مصنّفات المفيد ولا المرتضى ولا الطوسي ولا أنصار مدرستهم بل ولا المحقق ولا العلاّمة ، ممّا يعني أنّ علم الدراية بوضعه الحالي المعروف لم يظهر في الأفق الشيعي مع خطوة الحاكم ، بل ولا مع كتاب ابن الصلاح نفسه .
وهكذا نجد السيد الصدر نفسه ينسب في مجال علم الحديث كتاب شرح أصول دراية الحديث إلى علي بن عبدالحميد الحسيني النجفي ( ق٨هـ ) ، ويراه راوياً عن العلاّمة ، كما ينسب الأمر نفسه إلى ابن طاووس (٧١).
ومع اعتقادنا بدورٍ لابن طاووس والعلاّمة في أمر علم دراية الحديث بم أسهماه من أفكار ومعطيات لا أقلّ التنويع الجديد للحديث ، ومع إقرارنا بوجود مساهمات جزئية سابقة كان منها كتاب « دراية الحديث » لنور الدين علي بن حسين بن عبدالعالي الكركي ( ٩٤٠ هـ ) (٧٢)، إلاّ أنّ الأنظار كلـّها تتّجه إلى الشهيد الثاني ( ٩٦٥هـ ) بوصفه إمّا مؤسّس علم دراية الحديث ومصطلحه في الوسط الشيعي كما يراه شهاب الدين الكركي والحرّ العاملي والباحث المعاصر في علم الدراية الدكتور شانه چي (٧٣)، أو محيي هذا العلم بعد ولادته الخجولة في الوسط نفسه .
ألّف الشهيد الثاني في الدراية ثلاثة مصنّفات أساسية هي « البداية » و « الرعاية » و « غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدّثين » ، كان هذ التأسيس المجدّد لعلم الدراية برهاناً على وصول نظرية الخبر إلى مرحلة متقدّمة جداً في التمركز حول الأسانيد ، وكان تعبيراً صارخاً عن أنّ السند بات هو المعيار الأهم في تقويم الأحاديث ، فلم يؤسّس الشهيد الثاني علم الدراية من العدم بعد أن كان سبقه جمع غفير من رجال السنّة منذ ابن الصلاح و . . . بل وقبله ، لكنه استحضر النتاج السنّي ، وحاول تبيئته في المناخ
(٧١)حسن الصدر ، تأسيس الشيعة : ٢٩٥؛ وله أيضاً : الشيعة وفنون الإسلام : ٥٦.
(٧٢)انظر : الذريعة ٨ : ٥٥؛ وأبو الفضل حافظيان البابلي ، مقدّمة على كتاب «رسائل في دراية الحديث» : ١٥.
(٧٣)الكركي ، هداية الأبرار : ١٠٤؛ والحرّ العاملي ، أمل الآمل ١ : ٨٦؛ وكاظم مدير شانه چي ، علم الحديث : ١٦٧، نعم يقول بقطع النظر عن النيسابوري وما فيه من خلاف ، فإن الشهيد الثاني أوّل من ألّف في مصطلح الحديث مستقلاً .