فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٥٠ - السيرة بين التأسيس الاُصولي والممارسة الفقهية السيد علي عباس الموسوي
أقصى ما تدلّ عليه هو الرجحان . والالتفاتة التي يتمسّك بها الهمداني هن هو أنّ الفعل الذي استقرّت عليه السيرة إذا كان لا يحتاج إلى كلفة زائدة ، فإنّ غاية ما تدلّ عليه السيرة هو الرجحان ، ولا يمكن استفادة الوجوب من ذلك .
ومثال ذلك أيضاً : غسل اليدين قبل الوضوء ؛ فإنّ السيرة قامت من المتشرّعة عليه دون أن يكون واجباً . ومنشأ قيام السيرة رجحانه مع عدم استلزامه للكلفة الزائدة (٥٢).
إنّ هذا التدقيق في ملاحظة السيرة يعتبر نوعاً جديداً من الملاحظات التي اختصّ بها الهمداني .
ثانياً: إنّ السنّة النبوية إذا كانت فعلاً من الأفعال ، فهي ذات دلالة صامتة من ناحية إفادة الوجوب أو الاستحباب ، ولكننا نستطيع أن نعتبر السيرة متمّماً لدلالة السنّة النبوية فيما لو تلقت السيرة الفعل على أنّه على نحو الوجوب .
ومثاله : ما ورد في كيفية إضجاع الميت في قبره ، ففي صحيحة معاوية ابن عمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : « كان البراء بن معرور الأنصاري بالمدينة وكان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بمكة ، وأنّه حضره الموت ، وكان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) والمسلمون يصلّون إلى بيت المقدس ، فأوصى البراء إذا دفن أن يجعل وجهه إلى تلقاء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى القبلة ، وأوصى بثلث ماله ، فجرت به السنّة » (٥٣)، وحيث إنّ الرواية إنّما حكت لنا فعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ، ولا ندري إن ذلك كان على نحو الوجوب أو الاستحباب لا سيما مع الالتزام بأنّ كلمة السنّة لا يظهر منها الوجوب واللزوم ، فإذاً لابدّ من الاستعانة بالسيرة القائمة لدى المتشرّعة لإثبات أنّ تلك هي الطريقة الثابتة (٥٤).
ثالثاً: إنّ السيرة التي يراد الاستدلال بها لابدّ لإثبات حجيتها من إحراز اتّصالها بعصر النص لاستفادة إمضاء الشارع لها ، ويستفيد الهمداني لإثبات حدوث السيرة من لسان الروايات ، ففي البحث عن نجاسة الكافر الكتابي بعد
(٥٢)الهمداني ، الشيخ رضا ، مصباح الفقيه ١ (ق١) : ٢٤٦. مكتبة الصدر .
(٥٣)الطوسي ، الشيخ محمد بن الحسن ، تهذيب الأحكام ٩ : ١٩٢ط : الآخوندي .
(٥٤)الهمداني ، الشيخ رضا ، مصباح الفقيه ١ (ق٢) : ٤٢١.