فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٤٠ - السيرة بين التأسيس الاُصولي والممارسة الفقهية السيد علي عباس الموسوي
ولكن الخلاف وقع في تحديد هذه السيرة ، فإنّ من الأعلام من اعتبر هذه السيرة هي من باب الاستصحاب القهقري ، وأنّ السيرة قامت على حجية هذا الاستصحاب بخصوص باب الألفاظ (٢٥).
وهكذا تصبح السيرة دليلاً على مثل هذا الاستصحاب ، ولمّا كانت هذه المسألة ممّا يبتلى بها العقلاء فإنّ هذه السيرة تحكي عن عملية استصحاب تجري عند العقلاء ، وهذا الأمر كان منطلقاً للإشكال على صحة التعبير عن أصالة عدم النقل هذه بأنّها من باب الاستصحاب القهقري ؛ وذلك لأنّ هذ غفلة وذهول عن حقيقة الاستصحاب ، وهو المتقوّم بالشك المستقرّ ، دون الاحتمال العقلي ، فالعقلاء لا تحصل لديهم تلك الحالة التي تحصل لدى مجري الاستصحاب من اليقين السابق والشك اللاحق ، بل حقيقة الأمر هي إنّ هذه السيرة اعتمدت على إهمال هذا الشك دون ملاحظة حالة اليقين السابق أو استقرار الشك في نفوسهم (٢٦).
تحكي لنا هذه المناقشة عن عملية تحليل اُخرى للسيرة العقلائية ترتبط في كيفية عملها وأنّ السيرة كما تبنّاه صاحب نظرية الاستصحاب القهقري ترجع إلى عملية ممارسة للاستصحاب بما يحمله من يقين وشك وإهمال لهذا الشك واعتناء باليقين .
وهذا ما ينكره الرأي الآخر الذي يتبنّى أنّ العقلاء لا يمرون بمرحلة اليقين والشك ، بل هم بداية لا يشكّل لهم احتمال النقل سوى احتمالاً عقلياً لا يزرع الشك في نفوسهم ، بل يكون مصيره الإهمال في رتبة أسبق .
ثانياً : مباحث الحجج والاُصول العملية
شكّلت السيرة الدليل المهم بل الوحيد أحياناً ـ كما في حجية الظهور أو الخبر ـ في مباحث الحجج . وقد قدّمنا أنّ هذا الأمر هو الذي دفع الشهيد الصدر لإفرادها ببحث مستقل مقدّماً إياه على مباحث الحجج .
(٢٥)الخوئي ، محاضرات في اُصول الفقه ١ : ١٢٩.
(٢٦)الخميني ، السيد مصطفى ، تحريرات في الاُصول ١ : ١٧٠.