فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٣٥ - السيرة بين التأسيس الاُصولي والممارسة الفقهية السيد علي عباس الموسوي
تقدّم من استفادة الوجوب أو الحرمة إلى استفادة نوع العمل الذي قامت عليه السيرة في جوانب اُخرى . وهذا الأمر لا يتيسّر في الفعل الصامت . وهذ ما يتّضح عبر ملاحظة كيف استخدم الاُصوليون السيرة لإثبات نوع الحكم الذي تثبته ، وليس ذلك إلاّ من جهة أخذ المبدأ الذي قامت عليه السيرة في مدّ نظرهم ، ففي البحث الاُصولي المعروف في تحديد المجعول في الحجج والأمارات عندما أراد السيد الخوئي بيان كيف أنّ المجعول هو الطريقية والكاشفية لا السببية تبعاً لمبنى اُستاذه المحقق النائيني أوضح ذلك : بأنّ الدليل على حجيتها إنّما هو السيرة ، وسيرتهم قد جرت على العمل بها بملاك كونها طريقاً إلى الواقع وكاشفاً عنه ، وإنّهم يعاملون معها معاملة العلم والقطع من جهة كونها منجّزة للواقع على تقدير الإصابة ، ومعذّرة على تقدير الخطأ . وهذا هو مردّ الطريقية والكاشفية ، بداهة أنّه ليس عند العقلاء طريق اعتبروه من باب السببية (١٢).
٥ ـ السيرة والإطلاق
اشتهر بين الاُصوليين التعبير عن السيرة بأنّها دليل لبّي . والمراد من ذلك أنّها لا لسان لها ، وعليه تفقد السيرة عنصر الإطلاق أو العموم الثابت للدليل اللفظي ، فلا يمكن التمسّك بالسيرة لإثبات حكم الحالات المشكوكة .
ولا يخفى أنّ السيرة إنّما تكون خالية عن ثبوت إطلاق لها إذا كانت فعلاً صامتاً ؛ لأنّنا وكما قدّمنا قد تكون السيرة واسعة الدائرة لتثبت هذا الارتكاز العقلائي أو المتشرّعي ، ومثل هذا الارتكاز يكون له لسان يثبت عموماً أو إطلاقاً ، إنّ ما يشهد لهذا هو أنّ السيرة كما يعبّر بعض الأعلام ليست مبنية على التعبّد ، أي لا يصدر العمل العقلائي نتيجة أمر حتى يقع الشك في إطلاقه ، بل دائماً السيرة العقلائية تنشأ عن مبدأ عقلائي ، وحيث إنّنا نحن أيضا من جملة العقلاء فإنّ الجهة العقلائية لو اقتضت أمراً ما فإنّنا سوف
(١٢)الخوئي ، محاضرات في اُصول الفقه ٢ : ٢٧٣.