فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٣٤ - السيرة بين التأسيس الاُصولي والممارسة الفقهية السيد علي عباس الموسوي
٤ ـ السيرة والارتكاز
هل السيرة العقلائية أو المتشرّعية تثبت بما قامت عليه وانعقدت عليه ، أو أنّها تتعدّى ذلك إلى الارتكاز العقلائي أو المتشرّعي ، أي إلى النكتة التي دفعت العقلاء والمتشرّعة للالتزام بسلوك ما ؟ ولا يخفى أنّ ما يكون حجة من السيرة إن كان هو عبارة عن الارتكاز العقلائي فإنّ هذا سيوسّع من دائرة إثبات السيرة لإثبات نحو جريان هذه السيرة ، فإذا كانت السيرة قد جرت على الالتزام بأمر بنحو الاستحباب أو الوجوب فتكون مثبتة لهما .
وهذا الأمر لا يتيسر بملاحظة العمل مجرّداً عن هذا الارتكاز ؛ لأنّ العمل المجرّد لا لسان له ، بخلاف هذا الارتكاز فإنّه يحمل نوعاً من الدلالة تترقّى عن دلالة العمل . وكذلك الحال في الارتكازات العقلائية فإنّها تدلّ على سعة دائرة هذه السيرة سعة إفرادية وزمانية .
ومثال ذلك : السيرة القائمة على أنّ الحيازة سبب للتملّك ، وهذه السيرة ممضاة من الشارع ، ولكن السيرة المعاصرة كانت قائمة على استخدام وسائل كانت متعارفة في ذلك الزمان ، ومثل هذه السيرة لا تثبت كون الحيازة سبباً للتملّك في عالمنا المعاصر حيث تّتسع الدائرة في الأدوات الحديثة لتصبح الحيازة موجبة للثراء الكبير بسبب ضخامة ما توفّره هذه الأدوات من إمكانيات ، ولكن إذا كان الإمضاء إنّما هو للارتكاز العقلائي القائم فهذا يعني إثبات الإمضاء الشرعي حتى لما هو متعارف في هذا الزمان من الحيازة بالوسائل الحديثة ، ودليل التوسعة لحجية السيرة بنحو تشمل هذا الارتكاز هو نفس الدليل المساق لحجية السيرة ؛ لأنّ وظيفة الشارع تصحيح ما قام عليه الارتكاز بين العقلاء ؛ لأنّه مشرّع ولابدّ وأن يلحظ النكات التشريعية الكبروية فيثبتها أو ينفيها (١١).
وحيثية الارتكاز هذا أفادت اُصولياً في تحديد دلالات اُخرى أيضاً تتعدّى ما
(١١)الهاشمي ، السيد محمود ، بحوث في علم الاُصول ٤ : ٢٤٧، ط جماعة المدرسين ، قم .