فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٣١ - السيرة بين التأسيس الاُصولي والممارسة الفقهية السيد علي عباس الموسوي
بمقتضى التزامهم الشرعي والديني ، وهذا القسم وإن كان لا يخلّ باعتبار السيرة من سيرة المتشرّعة الناشئة من منشأ شرعي محض من جهة دليليتها ، ولكن الفارق يظهر في قوة هذا الدليل ؛ لأنّ السيرة التي تنشأ من عامل شرعي محض هي أقوى دلالة على الحكم من تلك التي يتردد المنش فيها بين أمرين (٣).
وليس هذا التقسيم للسيرة إلى قسمين إلاّ لأجل فائدة تترتب على هذ التقسيم تظهر في الفوارق التي ذكرت لهذا التقسيم :
أـ احتمالية الردع : السيرة المتشرّعية لا احتمال فيها للردع من قبل الشارع ؛ لأنّها إذا كانت قد صدرت من منشأ شرعي فاحتمال الردع فيه ينتفي . وهذا بخلاف سيرة العقلاء ؛ لأنّ المنشأ فيها ليس شرعياً ، فاحتمال الردع يبقى فيها وارداً (٤). والعراقي يعبّر عن هذا الفارق بأنّ هناك تلازماً وجودياً بين سيرة المتشرّعة وعدم الردع عنها من قبل الشارع ، وهذه الملازمة الوجودية مفقودة في السيرة العقلائية (٥).
ومن هذه الجهة ينفى رادعية أيّ أمر قد يتوهم كونه رادعاً عن السيرة ، ومثاله : ما وقع من البحث حول رادعية الآيات الناهية عن العمل بالظنّ عن العمل بالسيرة على حجية خبر الواحد ، حيث ذكر العراقي هناك أنّ السيرة المتشرعّية لا يتأتّى فيها هذا البحث ؛ لأنّ هاهنا مضادّة وجودية بين انعقاد السيرة وصدور الردع ، فمن المستحيل تحقّق السيرة المتشرّعية على العمل بالخبر مع ثبوت الردع (٦).
ب ـ ضرورة العمل وعدمه : ثمّة فارق آخر بين السيرتين يتمثّل في أنّ سيرة العقلاء لا يشترط فيها إثبات قيام عمل من العقلاء عليها ، بل يكفي فيه إثبات أنّ الطباع العقلائية لو خلّيت ونفسها ومن دون ردع كانت تعمل بذلك . وأمّا في سيرة المتشرّعة فلابدّ من إثبات عمل أصحاب الأئمة والأجيال
(٣)الهاشمي ، السيد محمود ، بحوث في علم الاُصول ٤ : ٢٤٨.
(٤)م . ن : ٢٤٧.
(٥)العراقي ، الشيخ ضياء الدين ، مقالات الاُصول ٢ : ١١٠، جماعة المدرسين .
(٦)العراقي ، الشيخ ضياء الدين ، نهاية الأفكار ٢ : ١٠٤