فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٩٣ - القتل الرحيم وموقف الشريعة منه الاُستاذ الشيخ محمّد علي الأنصاري
إلاّ أنّ هناك أبحاثا طرحت حول هذا الموضوع تسترعي الانتباه ، مثل :
إنّ إنقاذ النفس المحترمة هل هو واجب مطلقا ، أو لا ؟
إنّ ترك الانقاذ هل يوجب الضمان مضافا إلى الحرمة ، أو لا ؟
ولا ضرورة للبحث عن الأوّل ، وقد قمنا بدراسته في موضع آخر (٣٢)، ولذلك نتكلّم فعلاً عن البحث الثاني مع فرض وجوب أصل الإنقاذ .
هل ترك الإنقاذ موجب للضمان إضافةً إلى الحرمة ؟
الذي يستفاد من مجموع كلام جملة من الفقهاء عند تعرّضهم لبعض فروض ترك الإنقاذ هو : أنّه لو كان سبب الوفاة شيئاً آخر وكان بإمكان الشخص إنقاذه ولكن ترك ذلك تخاذلاً أو لسبب آخر ، فلا ضمان عليه وإن كان تَرَك واجبا .
قال العلاّمة الحلّي : « كلّ من رأى إنسانا في مهلكة فلم يُنجِه منها مع قدرته على ذلك ، لم يلزمه ضمانه » (٣٣).
وقال صاحب الجواهر في مسألة إلقاء متاع السفينة ليسلم أهلها من الغرق : « . . . فإذا قصّر من لزمه الإلقاء فلم يُلقِ حتى غرقت السفينة فعليه الإثم لا الضمان ، كما لو لم يطعم صاحب الطعام المضطرّ حتى هلك وإن طلبه منه . وكذا كلّ من تمكّن من خلاص إنسان من مهلكة فلم يفعل أثم ولا ضمان ؛ للأصل وغيره ، كما نصّ عليه في المسالك (٣٤)وغيرها » إلى أن قال : « ومنه ترك إنقاذ الغريق وإطفاء الحريق ونحوهما وإن كان مقدورا عليه ، بل التروك جميعها لا يترتّب عليها ضمان إذا كان علّة التلف غيرها ، وهي شرائط (٣٥)، ومنه ما نحن فيه ، بخلاف الحبس عن الطعام مثلاً حتى مات جوع ونحوه . . . » (٣٦).
فإنّ الحبس فعلٌ وجودي ترتّب عليه الهلاك بسبب منع وصول الغذاء إلى
(٣٢)راجع : الموسوعة الفقهيّة الميسّرة ٥ : ٣٧٨ـ ٣٨١عنوان « إنقاذ » .
(٣٣)تحرير الأحكام ٥ : ٥٥١. لكنّه استثنى من ذلك : ما لو اضطرّ إلى طعام الغير فطلبه منه ، لكن منعه عنه صاحب الطعام مع غناه عنه ، فمات المضطرّ جوعا ، ضمن المطلوب منه ؛ لأنّه باضطراره إليه صار أحقّ من المالك ، وله أخذه منه قهرا ، فمنعه ما يستحقه سبب إلى إهلاكه ، بخلاف ما لو لم يطالبه أوّلاً ، فانّه لم يضمنه . وكذا كلّ من رأى . . .لكن ذكر الشهيد الثاني وجها لعدم الضمان أيضا ؛ فقال : « ولو منعه من الطعام فمات جوعا ، ففي ضمانه له وجهان من أنّه لم يحدث فيه فعلاً مهلكا ، ومن أنّ الضرورة أثبتت له في ماله حقّا ، فكأنّه منع منه طعامه » . مسالك الأفهام ١٢: ١١٨. ومن القائلين بالضمان في هذه الصورة السيد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٤٤٩.
(٣٤)انظر : مسالك الأفهام ١٥: ٣٨٣.
(٣٥)فلو أطعم شخص آخر طعاما مسموما وكان بإمكان شخص أن يعالجه فلم يعالجه حتى مات ، فالقاتل عرفا هو الأوّل وهو السبب للوفاة ، وأمّا الثاني فهو بمنزلة الشرط ، فإنّ السم إنّما يصير سببا للوفاة بشرط عدم معالجته من قبل الشخص الثاني .
(٣٦)جواهر الكلام ٤٣: ١٥٣.