فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٥ - القتل الرحيم وموقف الشريعة منه الاُستاذ الشيخ محمّد علي الأنصاري
الظاهر أنّ ذلك لا يكون مبرّرا شرعيّا للانتحار ، وعلى الأقلّ نشكّ في مجوّزيّته ، فتشمله عمومات وإطلاقات حرمة قتل النفس ، مثل قوله تعالى : {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ } (٦)، وقوله تعالى : {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } (٧).
ويؤيّد ما قلناه هو : أنّ الفقهاء ذكروا أنّه : لو قال شخص لآخر : « اقتل نفسك وإلاّ لقتلتك » فقتل نفسه ، فلا قصاص على الآمر ؛ لكون المباشر عاقلاً ومميّزا ، ولا معنى لتحقّق الإكراه فيه ؛ لأنّ المكرَه هو الذي يتخلّص بما اُمر به عمّا هو أشدّ عليه ، وهو الذي هدّده به المكرِه ، وهو هنا القتل ، فلم يحصل الفرار مما هو أشدّ إلى ما هو أخفّ ليتحقّق الإكراه (٨).
نعم ، قال الشهيد الثاني : « لو كان التهدّد بقتل أشدّ ممّا يقتل به المكرَه نفسه ، كقتلٍ فيه تعذيب ، اتّجه تحقّق الإكراه حينئذٍ ؛ لأنّ المكره يتخلّص بم اُمر به عمّا هو أشدّ عليه ، وهو نوع القتل الأسهل من النوع الأشقّ ، فيجب القصاص فيه كغيره » (٩). وربما يظهر من صاحب كشف اللثام موافقته له (١٠).
ولكن علّق عليه صاحب الجواهر بقوله : « وقد يناقش : بأنّ ذلك لا يقتضي جواز قتله لنفسه المنهيّ عنه ، فلا حكم لإكراهه المزبور ، وحينئذٍ يكون المباشر أقوى من السبب ، واحتمال الجواز باعتبار شدّة الأمر المتوعَّد به منافٍ لإطلاق دليل المنع ، وإلاّ لجاز للعالم بأنّه يموت عطشا ـ مثلاً ـ أن يقتل نفسه بالأسهل من ذلك » (١١).
ومحلّ الشاهد هو قول صاحب الجواهر : « وإلاّ لجاز . . . » ، وهو المثال لم نحن فيه ، فكأنّ عدم الجواز فيه مفروغ عنه عنده .
وأمّا قياس ذلك بما ذكره الشهيد ففيه تأملّ ؛ لأنّ الشهيد بصدد إثبات صدق الإكراه وعدمه ، وإن كان لازمه جواز الإقدام في صورة صدق الإكراه .
(٦) الأنعام :١٥١. الإسراء :٣٣.
(٧) النساء :٢٩، وانظر الآيتين٩٢و٩٣من السورة نفسها .
(٨)انظر : مسالك الأفهام ١٥: ٩٠.
(٩)المصدر السابق .
(١٠)كشف اللثام ١١: ٣٨.
(١١)جواهر الكلام ٤٢: ٥٤.