فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٢٨ - السيرة بين التأسيس الاُصولي والممارسة الفقهية السيد علي عباس الموسوي
الأمر في كتابه إلاّ أنّ الشهيد الصدر (قدس سره) هو ثاني من جعل للسيرة بحثاً مستقلاً ضمن أبحاث الاُصول ، وقدّم لهذا الأمر بأنّ الحاجة هي التي دعته إلى أن يفرد السيرة ببحث مستقل فقال : « يبدأ عادة بالظواهر بوصفها أوّل الأمارات الظنية والظنون المعتبرة شرعاً بلا خلاف ، ولكن بما أنّ مهمّ الدليل الذي يجري الاستدلال به على حجية أهم الأمارات كالظواهر وخبر الثقة ـ وهم أهم أمارتين في الفقه ـ إنّما هو السيرة العقلائية .
من هنا كنّا بحاجة إلى بحث مستقل عن السيرة ودليليتها ونكات هذه الدليلية وشروطها لنكون على رؤية واضحة فيما يأتي من مواضع الاستناد إليه من المباحث الأصولية » (١).
إذاً يقدّم الشهيد الصدر في كلامه هذا بياناً للدافع لإفراد السيرة بالبحث مضافاً إلى بيان منهجية البحث الاُصولي والتي تفترض تقديم البحث عن السيرة على البحث عن الحجج ؛ لأنّها تشكّل عمدة الدليل على الحجج الاُخرى لا سيما حجية الخبر والظواهر ، وهو أمر لم يلحظه منهجياً الشيخ المظفر بل جعل البحث عن السيرة متأخراً عن البحث عن سائر الحجج . نعم يبقى أنّ الملاحظ هنا هو أنّ السيرة لم تشكّل دليلاً على حجية مباحث الحجج فقط بل شكّلت دليلاً وحجة لدى الاُصوليين في مباحث سابقة هي مباحث الألفاظ كتأسيسهم لأصالة عدم القرينة أو استدلالهم للسيرة في البحث عن مسألة لزوم الفحص عن المخصص للتمسّك بالعام ، أو للتمسّك بالعام في الشبهة المصداقية ، وهذا كلّه يدلّنا على أنّ السيرة شكّلت دليلاً اُصولياً وحجّة حتى في مباحث الألفاظ التي هي سابقة على مباحث الحجج .
يتنوّع البحث الاُصولي حول السيرة ، ولابدّ لنا من الإطلال على ما بحثه الاُصوليون حول السيرة دون تعميق البحث لئلاّ نخرج عن حدود ما تفرضه ضرورات المقالة .
(١)الهاشمي ، السيد محمود ، بحوث في علم الاُصول ٤ : ٢٣٣، المجمع العلمي للشهيد الصدر ، ١٤٠٥.