فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢١٥
ويمكن القول أيضا : إنّ من أهدافه استثمار انفتاح عصره على الثقافات المتعددة ، واتساعه لآراء المذاهب كافة ؛ لكي يضع معايير غير مبنائية للمجتهدين وللباحثين عن الراجح من الأقوال ، باستخدامه للمقارنة الموضوعية ، فالتزم ـ كما يقول هو في مقدمة كتابه ـ « أن يقرن كل مسألة بدليل يحتج به على من خالفه يوجب العلم » (٤٤).
وتطبيقا للهدف العلمي الأوّل باستبعاده للقياس يقرر وهو في صدد ما يجري فيه الربا عما لا يجري ، فذهب إلى أنّ ذلك إنّما يثبت بالنص وليس بالعلة ، ثمّ يذكر اختلاف أهل القياس ويقول : « وعندنا أنّ القياس باطل ، فما هو فرع ثبوته فهو ساقط عندنا » (٤٥).
ومدركه في ذلك أنّ أقوى أنواع القياس الجمع بالعلة المستنبطة ، وهذا لا يصل بالقائس إلى درجة اليقين ؛ لأنّه إنّما يستند إلى مقدمتين :
١ ـإنّ اعتبار علّة الفرع ذاتها علة الأصل ليس مبنى يقينيا ، وعليه فإنّ الأصل العقلي الذي اُقيم عليه القياس سيكون ظنيا أيضا ؛ ولما كانت الاُسس والمباني لا تتحمل أن تبقى ظنية فإنّ القياس عنده غير منتج للحكم .
٢ ـإنّ ذلك يستلزم أن يكون حكم اللّه تبعا لاستنباط القائس .
ويظهر منه أنّ الاستناد إلى الأدلّة اليقينية هو إحدى سمات المنهج المتبع في كتاب الخلاف ، ولأنّ الأصل في دليل الحكم الشرعي يلزمه أن يكون يقينيا فإنّ الشيخ الطوسي حاول أن يستبعد الاُصول الظنية ، وعليه يظهر أنّ أهداف الشيخ في « البرهنة » على استمرار الاستنباط الفقهي بدون الحاجة إلى الأدلّة الظنية غير المعتبرة عنده ـ كالقياس ـ كان منه تعديلاً على أمر سائد في عصره ، وربما سيستمر ـ كما هو الحال ـ فعلاً ، فأراد أن يثبت عكس ذلك ، فانطلق فهمه في تحديد أهدافه من معرفة تحليلية عميقة للسائد في عصره ،
(٤٤)انظر : المصدر السابق .
(٤٥)الخلاف ٣ : ٤٦، ط ـ مؤسسة النشر الاسلامي .