فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٤٤ - ما وراء الفقه قراءة في الاُصول المعرفية لتمايز الربا والفائدة البنكية د موسى غني نجاد
وجود الكثير من الظواهر والمفاهيم الاقتصادية الحديثة في صدر الإسلام ، وأنّ أحكام الشارع سبحانه كانت ناظرة اليها أيضا ، انّه يكتب قائلاً : « . . . إنّ فريقا في زمن الجاهلية قبل الإسلام ، كان يعمل تماماً كالبنوك المعاصرة اليوم ، فقد كانوا يقترضون بالفائدة من جهة ، فيما كانوا ـ من جهةٍ اُخرى ـ يقرضون بفائدة أكبر ، وقد كان ذلك المصدر الوحيد لدخلهم » (٧).
إنّ مجرّد وجود مجموعة تعمل كوسيطٍ مالي ، لا يعني دليلاً على وجود النظام البنكي أو أي نظام مشابه للأنظمة البنكية الحديثة ، وذلك :
أوّلاً ـإنّ النظم البنكية الحديثة تعتمد لتأمين مواردها على الإيداع لا الاستقراض ، وعليه فليس كل وسيط مالي يمثل بنكا ، بل البنك إنّما يقوم على الايداع ويتكوّن على أساسه ، وهو معنيّ بممارسة ادارة ناجحة لمضاعفة الأموال ، حيث إنّ بعضا منها يقوم البنك نفسه بإيجاده على شكل نقد اعتباري ، وعملية الإيداع لا يمكن تصنيفها نوعا من الإقراض من الناحية الاقتصادية والحقوقية ، والمودع نفسه ليس مقرضا ، وإنّما يضع مدخراته كأمانة لدى البنك ، ليمكنه في أي زمان يشاء ردّ هذه الأمانة إليه .
ولا تقتصر العمليات البنكية على مجرد إقراض الودائع المتوفرة لدى البنك ، بل إنّ البنك نفسه يتحمل مسؤولية الإقدام على استحداث نقد اعتباري ، ويسعى لادارة ما بيده ادارةً فعالة ومنتجة ، آخذا بعين الاعتبار العوامل المتعددة .
ومن هنا يمكن القول : انّه على رغم التشابه الظاهري ، فإنّ عمليات الوساطة المالية صدر الإسلام ، لا تلتقي كثيرا بالنشاطات البنكية بالمفهوم المعاصر للكلمة .
ثانيـا ـإنّ التسوية ما بين عدد محدود من الوسائط المالية والنظم البنكية ـ مع تجاهل التفاوت الماهوي بينهما ـ يساوق افتراض التسوية ما بين البحر
(٧)المصدر السابق : ١٧٩.