فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٣٧ - ما وراء الفقه قراءة في الاُصول المعرفية لتمايز الربا والفائدة البنكية د موسى غني نجاد
ومن ثمّ كانت هناك مجموعة من القواعد العرفية والحقوقية ، وكذلك منها الأخلاقية والدينية ، تحكم العلاقات القائمة ما بين الأسياد والعبيد وتحددها ، بيد أنّ الفكر الحداثي لا يستوعب مفهوما كمفهوم الرقّية ، ذلك انّه يرى أنّ كافة أفراد البشر يتمتعون بحقوق فطرية وطبيعية ( حقوق الانسان ) غير قابلة للفصل والتفكيك ، وهذا يعني التمركز بالضبط في النقطة المقابلة لمفهوم الرقّية ، وانطلاقا من ذلك تُحال ظاهرة كظاهرة الرقية في المجتمع الحداثي وفقا لمتطلباته التي تعبّر بدرجةٍ أو باُخرى عن نتاج الفكر الحداثي نفسه ، ومن هنا لا مكان بتاتا للرقّية ، واستتباعا لقواعدها وأحكامها في مجتمع حديث .
لكن من الطبيعي أن تبقى في الزوايا وفي نطاقات محدودة بعض الظواهر والسلوكيات التي تتعاطى مع بعض الناس على طريقة الرقّية ، بيد أنّ هذا السلوك يقوم أساسا على النقيض من العرف والقانون ، ومن البديهي انّه لا يمكن تصوّر قواعد أو أحكام حقوقية تهدف إلى تنظيم أعمال مخالفة للقانون نفسه .
انّ الخلط المعرفي يحصل عندما نقوم بإجراء أحكام حقوقية وشرعية تتصل بالرقية دونما لحاظ لمتطلبات المجتمع المعاصر ، وكذلك دونما رعاية لفلسفة الأحكام .
وهكذا الحال في أكل الربا ؛ إذ يمثل الربا ظاهرة اجتماعية مذمومة استدعتها بعض المتطلبات الزمانية في المجتمعات القديمة ، تماماً كما هو الحال في ظاهرة الرقية ، ومن ثمّ فمفهومه كأنّما يحكي عن نوع من العلاقة العامّة القائمة ما بين المقرِض والمقترض وفقا لظرفيات تلك المجتمعات .
إنّ الأحكام الشرعية والأخلاقية للربا ناظرة إلى هذا المفهوم له ، وقد كانت جهودي التي بذلتها في مقالة « الربا والفائدة البنكية » معنيةً بالدرجة الاُولى بالتدليل على هذا الأمر ، وهو أنّ مفهوم الربا ـ كمفهوم الرقية ـ لا مكان له في