فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٠٨
ظاهرة المناظرة والموازنة بين الأدلّة والآراء ، فشكّل ذلك دافعا للدراسات المقارنة ظهرت في كتب الخلاف ، سواء في العقيدة ـ مثل الشافي والمغني ، وكتب الملل والنحل (٢٣)ـ أو في الفقه مثل كتاب الانتصار والخلاف وغيرهما . وبذلك أصبحت كتب المقارنات الفقهية تحتاج إلى نضج منهجي بعد أن نضجت كتب الفقه على مذهبٍ واحد .
الظاهرة الثانية :هي انتهاء هذه الفترة المتسمة بحرية الفكر والرأي والبحث العلمي ، وهي حملة الخليفة القادر باللّه (٣٨١ ـ ٤٢٢ هـ )على المعتزلة والعدلية ، وبها اُحرقت كتبهم (٢٤)؛ لاعتقاده أنهم على صلة فكرية بالخلافة الفاطمية ، وكان الشيخ الطوسي ممن تعرّض لمثل هذه الحملات فكبست داره واُحرقت كتبه (٢٥).
يقول الباحثون : وفي هذا القرن ظهرت فترات ضيّق فيها الحكام على متكلمي المعتزلة ، وبعض مخالفي الاتجاه السلفي الذي جعل طلائع للمواجهة ، ومن ذلك أنهم منعوا الخطيب البغدادي من دخول المسجد الجامع ؛ لأنّه كان يرى مذهب الأشعري (٢٦).
وبالطبع فقد هوجمت الثقافة الشيعية ، لاسيما في فترة تسلط السلاجقة على العراق ؛ لأنّهم جاؤوا بعد البويهيين ، واعتبروا أنفسهم النقيض الفكري للبويهيين .
وهذه الظاهرة السلبية لها دورها في قيام الدراسات المقارنة ، فكما تحتاجها فترة الحرية لتغذية الحوارات وتمتين التلاقح ، تحتاجها فترة الاضطهاد لضرورة التسلح بالبراهين للدفاع عن الاُسس المهاجمة ، لذلك يمكن القول : إنّ كتاب الخلاف للشيخ الطوسي جاء وليد عصرٍ تميّز بظاهرتين : إحداهما إيجابية والاُخرى سلبية ، لكنهما معا ساهما في تكوين دافع للدراسات المقارنة .
(٢٣)مثل كتاب درك البغية في وصف الأديان والعبادات (٤٢٠هـ ) ، والملل لأبي منصور البغدادي (٤٢٩هـ ) ، ولابن حزم (٤٥٦) ، والبيروني (٤٤٠هـ ) .
(٢٤)الشهرستاني ، الملل والنحل ١ : ٣٣٣.
(٢٥)ابن الجوزي ، المنتظم ٨ : ١٧٣. السبكي ، الطبقات ٤ : ١٢٧.
(٢٦)آدم متز ، الحضارة الإسلامية ١ : ٣٦١.