فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٥٦ - ما وراء الفقه قراءة في الاُصول المعرفية لتمايز الربا والفائدة البنكية د موسى غني نجاد
المتواضعة معرض الخطر والزوال ، حتّى اُولئك الذين يعيشون منهم في الدول الصناعية المتقدّمة ، تلك الدول التي تملك اقتصاد سوق ، وبورصة واسعة وقوية ، الأمر الذي يجعل من الاستثمار المباشر فيها أمرا أكثر سهولة ، وباعثا على المزيد من الراحة والاطمئنان ، ولهذا نجدهم يفضّلون إيداع مدخراتهم لدى البنوك ليشعروا باطمينان أكبر ، رغم انّ قيمة الفائدة الواقعية التي يتوقعونها أقل من قيمة الربح المحتمل في الاستثمار المباشر .
وحرمان هذه الطائفة الكبيرة جدا من المودعين من الإيداع ، سوف يجرّها جبرا إلى تبديل مدّخراتها إلى ذهب ، أو جواهر أو عملة صعبة ، أو سلع ثابتة ودائمة ، وبعبارة ثانية ، تتبدّل المدّخرات إلى استثمارات غير منتجة ، ومن ثمّ يُحرم اقتصاد المجتمع من مصادر رأس المال الهامة التي يمكنها المساهمة في الأنشطة الإنتاجية .
إنّ النشاط الهام والأساس للنظام البنكي المعتمد على الإيداع ، هو توجيه المدّخرات الصغيرة والمتوسطة ـ التي تشكل رقما ملفتا على صعيد المجتمع ككل ـ ناحية الانتاج والاستثمار المنتج ، وعليه فإلغاء نظام الإيداع لا يحرم المودعين فقط من حقهم في الاختيار المنشود ، بل انّه ـ وهذا هو الأهم ـ يهدر قسما كبيرا من المصادر النقدية ورأسمال المجتمع أيضا .
وكما شدّدتُ في مقالتي السابقة ، فإنّ الإيداع المبني على الفائدة هو في حقيقته نوعٌ من المشاركة في الأنشطة الاقتصادية للبنك ، ولابدّ لنا من فهمه كذلك ، نظرا إلى الاضطرار إلى وضع قيمة مسمّاة للفائدة من جهة وعدم كونه مصونا على كافة الصعد من خطر الذهاب ، ومن ثمّ الافلاس المحتمل للبنك من جهة ثانية ، فإنّ الايداع تماماً كالاستثمار يقع في معرض الربح والخسارة معا ، لكن على فارقٍ هو أنّ مجال الربح أو الخسارة في عملية الإيداع أكثر محدودية منه في الاستثمار ، وهذا الأمر هو ما يشكل ـ في الحقيقة ـ الباعث