فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٧٣ - الحــوالـــــة الشهيد آية اللّه العظمى السيّد محمّدباقر الصدر (قدس سره)
إمكان النحو الثالث والرابع على درجة عالية من الوضوح ؛ وذلك لأنّ الذمّة بحسب التصوّر الإسلامي عبارة عن الوعاء الاعتباري للأموال الرمزيّة ـ كما سبق ـ والدين هو المال المطروح في ذلك الوعاء ، وحينذاك فيمكن تبديل مالك الوعاء وكذلك يمكن تبديل الوعاء نفسه ؛ أي يمكن تبديل الدائن ـ وهو النحو الثالث ـ وتبديل المدين ـ وهو النحو الرابع ـ ولا يرد عليه أيّ إشكال بناءً على هذا.
وأمّا بناءً على تصوّر الفقه الغربي للذمّة والدين فإنّ الدين عنده عبارة عن الالتزام الشخصي من قبل إنسان بأن يدفع إلى غيره مالاً ، وبناءً عليه وقع النحو الثالث والرابع المزبوران موردا للإشكال الثبوتي في الفقه الغربي ، فلا يرى أنّهما ممكنان ، بل هو يرى أنّ أيّة محاولة لتغيير الدائن أو المدين ترجع إلى إنهاء الدين الأوّل وإنشاء دين آخر ، فيكون مرجعه إلى التنازل غير المجّاني ، فالإشكال ناشئ من ناحية تصوّر فقهاء الرومان للدين ؛ حيث فسّروه بالالتزام الشخصي ، ومن هناك استشكلوا في تغيير الدائن أو المدين بأنّ الالتزام الشخصي لايمكن انحفاظه في صورة تغيير الملتزِم أو الملتزَم له ، بل مع تغيير أحدهما يتغيّر الالتزام أيضا ، فلا يبقى الدين أصلاً .
وهذا الإشكال غير صحيح بالنسبة إلى ما تصوّره الفقه الإسلامي للذمّة ؛ فإنّه لا يفسّر الدين بالالتزام كي يرد عليه الإشكال ، بل يفسّره بالمال الرمزي المحتفظ في الوعاء الاعتباري المسمّى بالذمّة ، وهذا ينحفظ حتى مع تغيير الدائن أو المدين فإنّ العقلاء لايرون إشكالاً في تغيير مالك الوعاء أو الوعاء نفسه مع الحفاظ على أصل الدين كما مرّ آنفا .
وأمّا الفقه الغربي فحيث تصوّر الدين وفسّره بالالتزام الشخصي فاستشكل في جواز حوالة الحق ـ أي تغيير الدائن ـ وحوالة الدين ـ أي تغيير المدين ـ باعتبار أنّ الدين يتغيّر فيهما أيضا ، ولا يمكن انحفاظه مع تغييرهما ؛ لأنّ الدائن والمدين هما المقوّمان للدين ، فبتغييرهما يتغيّر الدين إلى دين جديد ، وهذا هو معنى التنازل إلى بدل .