فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٧٠ - معالم الإبداع الاُصولي عند الشهيد الصدر (قدس سره) الشيخ حـيدر حب اللّه
نوعين منها ، وهو تمييز هام يترك أثره في الحد من تبني اتجاهات ذات طابع سلفي ، إذ وفق تحليله (قدس سره) لا يجب ان تكون كل سيرة جرى عليها المتشرعة دينيةً ، لأن منطلقات واسباب نشؤ العادات والمسارات الاجتماعية وحتى العقلية ليست دائماً دينيةً ، أي ناتجةً عن موقفٍ مسبقٍ من المشرّع نفسه ، ولهذا لا يمكن التسرّع ونسبة ظاهرةٍ موجودةٍ في مجتمع المتدينين ـ حتى المتقدمين ـ إلى الدين نفسه بل لابد ـ وفق طبيعة طرح الشهيد لهذه السيرة (٤٨)ـ من تحصيل اليقين باستبعاد كافة المناشىء المحتملة الاُخرى في تشكّل هذه الظاهرة الاجتماعية ، وهو أمر يحتاج أحياناً إلى خبرةٍ بدراسات علم النفس وعلم الإجتماع بالدرجة الاُولى ، حتّى لا يتمّ تلقي الامور تلقياً أولياً غير معمّق ، فقد كشفت دراسات هذين العلمين عن اسباب كثيرة جداً لتكوّن الظواهر والعادات والتقاليد والسنن الاجتماعية وهو ما لابد من استبعاده لتأكيد المرجعية الدينية لسيرة المتشرعة في مجالٍ معينٍ .
ومن هنا قلنا ان اشارة السيد الشهيد الى مسألة نفي الاحتمالات الأخرى في علمية السيرة المتشرعية تحول دون ظهور نزعة تقليدية ظاهرية سلفية بالمعنى السلبي للكلمة ، وتحرّك فينا دوافع التمييز بين الظواهر التي عاشوها مستمدّين اياها من الشريعة نفسها وبين الظواهر التي عاشوها وأفرزتها طبائعهم وظروفهم الزمانية الخاصة التي حكمت نمط عيشهم .
ان اساس هذا التمييز وهذا الترسيم هو من الاهمية بمكان ، وواحدةٌ من أعقد المشكلات المعاصرة ذات الجدل بين التيارات السلفية وغير السلفية عند المسلمين هي هذه المشكلة بالذات .
الميزة الثالثة: ان السيد الشهيد يشير إلى نكتةٍ في تمييزه بين التواتر والإجماع يؤكّد فيها على أن أحد الرواة في التواتر لا يقع تحت تأثير راوٍ آخر ، وهذا بخلاف الإجماع فإنه من الممكن جداً ان يكون قول أحد المجمعين متأثراً
(٤٨)دروس في علم الاُصول ، الحلقة الثانية : ١٧٦.