فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٥٤ - معالم الإبداع الاُصولي عند الشهيد الصدر (قدس سره) الشيخ حـيدر حب اللّه
الادلة التي يستبعدون بها افتاءاتٍ معينةٍ ناجمة عن حالة نفسية لدى الفقيه تمنعه من الخروج بنتائج مستهجنة في الوسط الفقهي ، وقد تم التنظير اصولياً لتغطية هذه الحالة بمجموعة مباني اُصولية كمبنى الشهرة الفتوائية والإجماع سيّما المنقول وجبر الخبر الضعيف بعمل الأصحاب أو وهنه صحيحاً بإعراضهم . . . فقد كان الفقيه محتمياً بمثل هذه المباني لسدّ هذه الثغرة النفسية المقلقة ، إلاّ ان مجي ء المتأخرين ـ وعلى رأسهم الشيخ الانصاري ـ قلب المعادلة ، إذ أُطيح بجملةٍ هامةٍ من هذه المباني سيما الإجماع المنقول ، واستمر الوضع الى ان جاء السيد الخوئي ففنّد نظريتي الانجبار والوهن .
لكن الفقه لم يتأثّر في البداية بهذا التعديل الاُصولي ، فظهرت مفارقات عدة بين سلوك الفقيه كفقيهٍ وسلوكه كاُصولي ، فهو ينكر شيئاً في الاصول غير أنه يتعبّده في الفقه وما ذلك إلاّ لحالة التحرّج النفسية هذه ، والتي يبررها الشهيد بجملة مبررات ، وتصاعد الأمر الى ان اتجه السيد الخوئي ناحية إلغاء هذه الازدواجية فطبق في الفقه كثيراً مما آمن به في الاصول .
بيد ان انسحاب هذه المباني وتراجعها لم يحُل دون القاء الحالة النفسية للفقيه بثقلها وبصورة متواصلة ، فخرجت من بين الانقاض نظرية السيرة التي لاحظ الشهيد ـ وهي ملاحظة جديرة بالاهتمام ـ ان فقهاء مرحلة ما قبل الانصاري لم يكونوا ليستعينوا بمفهومٍ كمفهوم السيرة في حين صارت السيرة في الوضعيات الفقهية ما بعد الأنصاري تشغر حيزاً اساسياً من اكثر الابحاث الفقهية سيما غير العبادات .
والسيد الشهيد في دراسته هذه وإن لم يهدف الى انتقاد الفقهاء في سلوكهم هذا بل قدم له عدة مبرراتٍ سيما على مبانيه المعرفية ، غير أنه قرأ الافكار قراءةً حديثةً ، ربما لم يكن لها عين ولا أثر بهذه الصورة في الأبحاث الاصولية .