فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٥٣ - معالم الإبداع الاُصولي عند الشهيد الصدر (قدس سره) الشيخ حـيدر حب اللّه
الاصول السني قد أَكثَرَ من التركيز على مباحث الأدلة المحرزة وانواعها فيما لم يكن الحال كذلك عند الشيعة ، إلاّ ان فكرة الاصل في الاصول الشيعي لم تكن بذلك الوضوح عند المتقدمين ، إذ أُدرجت البراءة في دليل العقل زمن ابن ادريس وابن زهرة ، كما أُدرج دليل الاستصحاب نفسه بالعقل بعد ذلك ، واُلحقت البراءة بالاستصحاب ، كما يلاحظ لدى المحقق والشهيد الاول استخدامهما نسقاً برهانياً لاثبات البراءة كعدم الدليل دليل العدم ، وفي خضم هذا التشويش تبرز نصوص عند السيد جمال الدين شارح الوافية تبدأ برسم حدودٍ بين الاصل والامارة ، ويستمر الحال الى زمن الوحيد والشيخ محمد تقي صاحب الحاشية حيث نجحا في إجراء ترسيمٍ هامٍ لهذين المصطلحين ادى الى تبدل صياغة علم الاصول عموماً على يد الشيخ الانصاري ، وخرجت الاصول العملية من دليل العقل لتتواجه والامارات كلها فيما بعد (٢٠). وقد وظّف الشهيد الصدر هذه الدراسة التاريخية وكذلك دراسته الاخرى للبراءة العقلية (٢١)، في دعم ما شيّده من مسلك حق الطاعة ؛ إذ بتحليله التاريخي هذا نجح في سلب القداسة العقلائية عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان حينما أكد ان الفهم الاصولي للبراءة لم يكن متطابقاً في بنيته ومفاد القاعدة كما تؤكّد المطالعة التاريخية ، وانما كانت البراءة تعبيراً آخر عن دليلٍ عقليٍ مستقلٍ على الحكم الشرعي لا قانوناً يفترض فقدان هذا الدليل ، وهذا توظيف مهم للتاريخ الاُصولي في تدعيم وجهات نظر اُصولية داخلية ، ربما لو وسعنا من نطاق استخدامه لتكشفت امامنا حقائق جديدة .
النموذج الثالث: دراسته للمكوّنات التاريخية ، العلمية ، النفسية لتبلور فكرة السيرة في علم الاُصول (٢٢)، فقد لاحظ (قدس سره) أن الفقهاء باصطدامهم احياناً بأدلةٍ قد تؤدي بهم الى الالتزام بنتائج مستغربة يتمسكون بما يسمّونه بالمسلّمات او لزوم تأسيس فقه جديد وغير ذلك من العبارات ، وفي الحقيقة فإن هذه
(٢٠)البحوث ٥ : ٩ ـ ١١، مباحث الاُصول ٣ : ١٩ـ ٢٣.
(٢١)المصدر السابق : ٢٥ـ ٢٦، مباحث الاُصول ، ٣ : ٦٤ـ ٧١.
(٢٢)مباحث الاُصول ، ٢ : ٩٣ـ ٩٧و ١٣١ـ ١٣٤.