فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٢٦ - فقه النظرية لدى الشهيد الصدر (قدس سره) الشيخ خـالد الغفوري
وهذا المتمّم للوعي يتمثّل بتحصيل الرؤية الحياتية ووعي الموقف ، وإنّ فقه النظرية بتأمين ذلك لجدير ، فمن خلاله يمكن تقديم صورة متجانسة لوجهي الواقع ، أي الواقع الموجود والواقع المطلوب ، فيزيد المؤمنين إيماناً مع إيمانهم ويكسبهم الثقة العالية بدينهم والاطمئنان الراسخ برسالتهم ، وتثبت بذلك أقدامهم على الحقّ المبين ولا يهنوا تجاه أمواج الغزو الثقافي ، بل يمكنهم حينئذٍ الانطلاق لخوض المنافسة والنزال مع الغير ؛ فإنّ للنظرية العامّة لبهاء وسحراً وإنّ عليها لطلاوة تأخذ بمجامع العقول وتجتذب الأفئدة . ولا نريد أن نبالغ في تصوير مدى الأثر الاعلامي والثقافي للنظريات العامة ، فإنّ بعض الأباطيل والاتجاهات الهزيلة استطاعت أن تجد لها مكاناً في الساحة الثقافية وتسبغ على نفسها سمة المسلك لأنّها تسربلت بزيّ النظرية العامّة . وهذه حقيقة لا ينكرها إلاّ مكابر ؛ فإنّ النظرية العامّة هي العملة الرائجة في سوق الأفكار ، وهي اللغة المفضّلة في عصرنا الراهن ، وهي الموضة الراقية بنظر المثقّف .
وأعرب الشهيد الصدر (قدس سره) عن أهمية فقه النظرية بقوله : « . . . تكون الحاجة إلى دراسة نظريات القرآن والاسلام حاجة حقيقية ملحّة ، خصوصا مع بروز النظريات الحديثة من خلال التفاعل بين انسان العالم الاسلامي وانسان العالم الغربي ، بكل ما يملك من رصيد كبير وثقافة متنوعة في مختلف مجالات المعرفة البشرية ، حيث وجد الانسان المسلم نفسه أمام نظريات كثيرة في مختلف مجالات الحياة ، فكان لابدّ لكي يحدّد موقف الاسلام من هذه النظريات وأن يستنطق نصوص الاسلام ويتوغل في أعماق هذه النصوص لكي يصل إلى مواقف الاسلام الحقيقية سلبا وإيجابا ، لكي يكتشف نظريات الاسلام التي تعالج نفس هذه المواضيع التي عالجتها التجارب البشرية الذكية في مختلف مجالات الحياة » (١).
(١)المدرسة القرآنية ، ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السيد محمّد باقر الصدر ١٣ : ٤٠ ـ ٤١.