فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٤٣ - المنهج النقدي في مدرسة الشهيد الصدر (قدس سره) السيّد عبد الحسن النفّاخ
« الثالث : إنّ الفكر لو كان محبوساً في حدود التجربة ولم يكن يملك معارف مستقلّة عنها لما اُتيح له أن يحكم باستحالة شيء من الأشياء مطلقاً ؛ لأنّ الاستحالة بمعنى عدم إمكان وجود الشيء ليس ممّا يدخل في نطاق التجربة ، ولا يمكن للتجربة أن تكشف عنه ، وقصارى ما يتاح للتجربة أن تدلّل عليه هو عدم وجود أشياء معيّنة ، ولكن عدم وجود شيء لا يعني استحالته » (٣٣).
بً ـ قاعدة « قبح العقاب بلا بيان » : وهي القاعدة التي يقول بها كثير من الاُصوليّين ، وتعني : أنّ المكلّف لا يكون مسؤولاً عن التكاليف المشكوكة ولو احتمل أهمّيتها بدرجة كبيرة . ويرى هؤلاء الأعلام أنّ العقل هو الذي يحكم بنفي المسؤولية ؛ لأنّه يدرك قبح العقاب من المولى على مخالفة المكلف للتكليف الذي لم يصل إليه ، وما دام المكلّف مأموناً من العقاب فهو غير مسؤول ، ولا يجب عليه الاحتياط . . . ويُستشهد لذلك بما استقرّت عليه سيرة العقلاء من عدم إدانة الموالي للمكلّفين في حالات الشكّ وعدم قيام الدليل ، فإنّ هذا يدلّ على قبح العقاب بلا بيان في نظر العقلاء » (٣٤).
ويناقش الشهيد الصدر (قدس سره) هذه القاعدة بقوله :
« ولكي ندرك أنّ العقل هل يحكم بقبح معاقبة اللّه تعالى للمكلّف على مخالفة التكليف المشكوك أو لا ، يجب أن نعرف حدود حقّ الطاعة الثابت للّه تعالى ، فإذا كان هذا الحقّ يشمل التكاليف المشكوكة التي يحتمل المكلّف أهمّيتها بدرجة كبيرة ـ كما عرفنا ـ فلا يكون عقاب اللّه للمكلّف إذا خالفها قبيحاً ؛ لأنّه بمخالفتها يفرّط في حقّ مولاه فيستحقّ العقاب . وأمّا ما استشهد به من سيرة العقلاء فلا دلالة له في المقام ؛ لأنّه إنّما يثبت أنّ حقّ الطاعة في الموالي العرفيّين يختصّ بالتكاليف المعلومة ، وهذا لا يستلزم أن يكون حقّ الطاعة للّه تعالى كذلك أيضاً ؛ إذ أي محذور في التفكيك بين الحقّين والالتزام
(٣٣)المصدر السابق : ٦٩.
(٣٤)دروس في علم الاُصول ، الحلقة الاُولى ( السيّد محمّدباقر الصدر ) : ٣٢٤ـ ٣٢٥.