فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٥٩ - معالم الإبداع الاُصولي عند الشهيد الصدر (قدس سره) الشيخ حـيدر حب اللّه
في نظريته المعرفية الموظفة في علم الاُصول أهم واكبر إنجاز قدمه الشهيد لهذا العلم ـ ولغيره من العلوم أيضاً ـ ، ذلك أن الرجوع الى الوراء وتبديل البنى التحتية المنطقية هو إحداثٌ لتغييراتٍ جادّةٍ وأصيلةٍ في العقل الاُصولي ، والتصرف في العقل الاُصولي ووضعه على طاولة التشريح تحت المجهر النقدي هو عمل خطر وحساس جداً كما أنه فائق الدّقة والصعوبة ، إنها عملية تحليلٍ للعقل ومن ثم نقدٌ له وفيما بعد استبداله ، وهذه العملية هي من العمليات الفكرية التي يصعب ملاحظة تداعياتها ضمن الفترة الاولى لانجازها بل تحتاج الى مدّة كافية لإعادة بلورة الأسس ومن ثم الشروع في توظيفاتٍ جديدةٍ ، أي هي في روحها استبدال للوضع القائم نحو وضع جديد .
إن دقّ الاسفين في جذر المنطق الأرسطي الذي تقوم عليه كل العمليات العقلية الاُصولية واستبداله بالمنطق الذاتي القائم على نظرية الاحتمال يمكنه ( ونحن هنا حياديون نسبياً ) ان يعيد تشكيل نمط فهمنا وتصورنا للاُصوليات كلها او كثير منها ، واذا كان الصدر قد طبق منطقه هذا في الإجماع والشهرة و . . . فهذا لا يعني ان هذا المنطق لا يستوعب الإجراء في فروعٍ اُصوليةٍ اُخرى ، إذ غالباً ما لا يدرك اصحاب النظريات والمشاريع الكبرى المدى الذي يمكن ان تصله نظرياتهم ليأتي الآخرون ويحددوا ذلك . والميزة الابداعية في هذه الخطوة من الشهيد هي في عدم وجود محيطٍ أو تراكماتٍ معرفيةٍ مساعدةٍ على تولّد تصورٍ أو طرحٍ من هذا القبيل في الوسط العلمي آنذاك حتى غير الحوزوي على رأي بعض الباحثين (٣١)، وهو يعني قيام الشهيد بوضع البديل لما لا محاذي له في وسطه العلمي او لا اقل تطبيقه لهذا البديل في علوم لم تعرف مثل هذا التطبيق من قبل ، وهو امرٌ يدلنا بأمانة على مدى الخلاّقية والثقة التي تمتّع بهما (قدس سره) .
(٣١)زكي ميلاد ، مجلة الكلمة ، العدد ٢٧ص ١٩.