فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٥٥ - معالم الإبداع الاُصولي عند الشهيد الصدر (قدس سره) الشيخ حـيدر حب اللّه
المحور الرابع : توظيفية علم الاُصول :
بُعيد المزاوجة التي بدأت منذ عصر الوحيد بين الفلسفة والاصول تأثر الأخير بما يمكن تسميته بالهادفية الفلسفية ، فعلم الفلسفة الكلاسيكية (٢٣)علم مستقل ثابت بذاته لا يصّنف كجزءٍ من العلوم الاستطراقية سوى من حيث طبيعة العلاقة بين العلوم التي تجعل من بعضها مستهلكاً لمعطيات البعض الآخر كمبادىء تصديقية واصول موضوعية ومصادرات قبلية له ، ولم تستطع الفلسفة ان تجد تجسيداً عملياً لذاتها في الواقع الإنساني إلاّ من خلال توظيف العلوم الاخرى لنتائجها ، ولهذا بقيت من حيث ذاتها علماً نظرياً تجريديّاً لا يرى نفسه مسؤولاً عن حلّ مشكلةٍ في الواقع مباشرةً أو بالواسطة سوى مشكلة كشف أسرار الوجود العام ، ولهذا كان موضوع الفلسفة « الموجود بما هو موجود » وغايتها مجرد معرفته كذلك ، لا بما هو مؤثر وفاعل ومنتج ، وقد أضفت هذه الطبيعة الخاصة على الفلسفة الاسلامية طابعاً انفرادياً وأقصت الفيلسوف عن أي مسؤولية ميدانية .
ونظراً لكون العلاقة بين الفلسفة والاُصول ـ سيّما في بدايات التفاعل ـ أحادية الجانب غالباً لا جدلية تفاعلية ، كان من المتوقّع ان تُلقي بثقلها ونمطها واساليبها واهدافها على الاُصول ، وهو ما ترك أثره في تحوّل الجهد الاصولي في بعض الاحيان من جهدٍ عملاني الى جهدٍ نظري ، فصار هَمُّ الاصولي تحقيق الحق في المسألة الفلانية ، ولم يعُد مرماه معرفة مدى الآثار الناجمة عن هذه النتيجة ، وما هو الذي تهدف له على المستوى الفقهي ، وهو أمر ـ له أسبابه الاخرى أيضاً ـ سبّب اعادة انتاجٍ للاُصول من علمٍ خدماتيٍ يُهدف منه تصحيح المسار الفقهي وحل مشاكله فقط إلى علمٍ استقلاليٍ يُطلب منه أحياناً مجرد شحذ الذهن وتنمية المعرفة لغرضها فقط .
واغلب الظن ان هذا كان واحداً من أسباب ظهور مشكلةٍ اخرى ، ألا وهي
(٢٣)حينما نتحدث هنا عن علاقة الاُصول بالفلسفة ، فالمقصود الفلسفة الإسلامية .