فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٦ - المسائل المستحدثة في الطب ـ القسم الثالث آية اللّه الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
تدلّ على أنّ كثرة الجمع أمر قرين للقوّة .
وحينئذٍ لو ثبت لنا بالأدلّة القطعية أنّ كثرة النفوس توجب الضعف والفتور والفقر والجهل والمرض والبطالة ، فلا تكون سبباً للافتخار والقدرة ، بل تكون سبباً للتواني والفشل .
فمن المعلوم أنّها تخرج عن شمول تلك الآيات والروايات ؛ لأنّها وردت في ظروف اُخرى ناظرة إلى اُناس آخرين . وأنتترى في العصر الحاضر أنّه لا يفتخر إنسان على غيره بأنّي أكثر منك مالاً وولداً ، نعم يمكن أن يفتخر بماله ، ولكن لا يفتخر بكثرة أولاده .
وممّا يشهد على ما ذكرناه قوله تعالى في سورة الأنفال مخاطباً للمسلمين : {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} (١٢). فكان المسلمون قليلينَ بحيث يمكن أن يتخطّفهم الناس ، فوجب عليهم في هذه الظروف الاهتمام بكثرة الأفراد وتكثير الأولاد ، حتى لا يقدر أعداؤهم على السيطرة عليهم .
أمّا لو فرض زمان تكون الكثرة فيه سبباً للاستضعاف فلا شكّ أنّ الحكم يتغيّر .
كما هو الأمر في زماننا فقد صارت كثرة النفوس سبباً للضعف والفتور والتخلّف ، ويشهد لذلك عدّة مؤشّرات :
١ ـ كان كثرة النفوس في السابق سبباً للتقدّم والغلبة ، لا سيّما في الحروب ، فإنّ اللآلات الحربية والأسلحة كانت بصور بدائية وبسيطة لا تحتاج إلى علم خاصّ ؛ وكذلك الأمر بالنسبة للزراعة وبناء الأبنية وما شابه ذلك من مرافق الحياة . ولكن في زماننا أصبحت هذه الاُمور أكثر تعقيداً حيث تحتاج إلى علوم مختلفة ، فالتقدّم والغلبة سواء في الحروب أو في شؤون ومجالات الحياة الاُخرى إنّما يحصل بوجود كوادر علمية متخصّصة بفنون الأسلحة الحديثة والصناعات البديعة والآلات المستحدثة . فالمطلوب الكثرة من الناحية
(١٢) الأنفال : ٢٦.