فقه اهل بیت علیهم السلام - فارسی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٤١٣ - سلسلة بحوث فقه الحكم الاسلامي المهـادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
هذا كلّه مضافاً إلى ظهور الآية المباركة {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الاْءَعْلَوْنَ وَاللّهُ مَعَكُمْ } (١٢٢) في حرمة الدعوة إلى الصلح، وبناءً عليه فلو فرض وجود إطلاق في المقام يدلّ على مشروعية الصلح في كلّ صورة من الصور، فهو يقيّد بهذه الآية المباركة، كما هو الواضح من النسبة بين كلّ دليلين من هذا القبيل، فضلاً عن عدم إطلاق من هذا القبيل في البين.
فحاصل ما عرفت: أنّ الصلح المشروع إنّما هو ما يقترح ويستدعى من طرف العدوّ لا غير؛ لأنّ غيره غير مدلول عليه بأدلّة جواز الصلح، بل مشمول لدليل النهي عنه، وهو الآية الشريفة.
هذا، ولكن يمكن بعض الخدشة في ما استظهر من الأدلّة. أمّا آية الجنوح فلأنّ الجنوح بمعنى الميل، وهو أعمّ من الاقتراح، فربّ من يجنح لشيء بدون أن يقترحه، فقوله تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَ } بمعنى أنّه إن مالوا إلى السلم فمل أنت أيضاً إليها، وليس فيها تعرّض لمفهوم الاقتراح، وأنّه من أي جانب لا بدّ أن يكون. فالآية ـ واللّه أعلم بصدد بيان أصل مشروعية الصلح وأنّه مشروع فيما يميل إليه العدوّ ولا يستنكف منه، ومعلوم أنّه لو لم يقبل العدو ولم يمل إلى الصلح فلا يمكن الصلح للمسلمين.
ويمكن تقرير الاستدلال بنحو آخر. و هو أن يقال: إنّ شرط مشروعية الصلح بناءً على الآية هو ميل العدو، وإذا لم يمل هو، فالصلح لا يكون إلاّ بالتماس وطلب ذليل من ناحية المسلمين، وهذا هو الخارج عن المشروعية، لا الصلح الذي يكون باقتراح المسلمين من دون ذلّة، فجنوح العدوّ شرط طبيعي ـلا شرعي للصلح. ولعلّ وجه ذكره مع ذلك أنّ الآية بصدد بيان أنّه إذا حصل لك فرصة التحصّل على الصلح. بأن جنح إليه عدوّك فلا وجه حينئذٍ لاستمرارك الحرب وتحمّلك أعباءها، فاجنح أنت أيضاً لها، وتوكّل على اللّه في آثارها وتبعاتها. فأداة الشرط هنا في الحقيقة استعملت بمعنى «إذا» التي هي أيضاً أداة اُخرى للشرط، وقد سيقت لبيان الأرضية الطبيعيّة للسلم.
(١٢٢) محمّد: ٣٥.