فقه اهل بیت علیهم السلام - فارسی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٦٠ - سلسلة بحوث فقه الحكم الاسلامي المهـادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
هذا هو مضمون الآيات في أوّل سورة براءة، وهي كما ترى تتصدّى لحكم خاص بالنسبة إلى فئة خاصّة من الكفّار وهم مشركوا مكّة وما حولها من البلاد في الحجاز في زمان خاص، وليس حكماً عامّاً لكلّ فئات الكفّار ولجميع الأزمنة، فهي قضيّة خارجية تعلّق الحكم فيها بموضوع معيّن خارجي، ولذا ترى أنّ حكم عدم المعاهدة مع المشركين الذين يظهرون الرفق ويبطنون البغض والعناد، لم يفتِ به الفقهاء، مع أنّه مذكور في الآيات، وليس ذلك إلاّمن أجل أنّ الحكم في الآية ليس على سياق القضية الحقيقية.
وفي جوّ هذا الاستظهار من الآيات الشريفة، يتمكّن الإنسان أن يعرف بوضوح أنّ المراد من الأشهر الحرم في الآية، ليست هي الأربعة المعروفة، بل المراد منها هي الأربعة التي أمهلهم اللّه تعالى أن يسيحوا فيها آمنين وحرّم على المؤمنين أن يتعرّضوا لهم فيها.
إن قلــت : قد جرى ذكر الأشهر الحرم في الكتاب المبين في غير موضع، والمراد منها في الجميع هو تلك الأربعة المعروفة، مثل قوله تعالى: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ... } (٣٣)، وقوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامِ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ... } (٣٤) فما الصارف عن هذا المعنى هنا؟
قلــت :
أوّلاً : ذكر اللفظ بمعنىً في مواضع من القرآن الكريم لا يستلزم كونه بعين ذاك المعنى كلّما استعمل في الكتاب العزيز، ما لم تصل كثرة موارد الاستعمال إلى حدٍّ تحصل به حقيقة شرعية لهذا اللفظ، أو تكون قرينة صارفة له عن غيره من المعاني. وهذا لا يُقطَع به في ما نحن فيه وبالنسبة إلى الشهر الحرام في هذه الآية.
وثانياً : سلّمنا ذلك، لكن ذكر الأربعة أشهر التي جُعلت حراماً بالنسبة إلى هؤلاء المشركين في الآيات السابقة المرتبطة بهذه الآية، وكون الآيات بصدد
(٣٣) التوبة: ٣٦.
(٣٤) البقرة: ١٩٤.